الأحد 24 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا
صلاح جاهين.. لو كنت عارف مين أنا كنت أقول

صلاح جاهين.. لو كنت عارف مين أنا كنت أقول

«هو من أغواه الأمر المحال، فتطلع إلى القمر قافزًا ببراءة قلب طفل وجسارة روح شاعر، صارخا من مس النشوة: شفت القمر نطيت لفوق فى الهوا، طلته مطلتوش - أيه أنا يهمنى؟، وليه ما دام بالنشوى قلبى ارتوى، لكن عبثاً أيدى الغواية الناعمة لم تـكُن كفيلة بنزع حبال الأحزان الشائكة من حول عنقه الرقيق، فابتغى الرحيلُ بصمتٍ مرافقا حزنه على محبوبته معلنًا بعُنفوان تارة: أنا مصر عندى أحب وأجمل الأشياء، وتارة أخرى ببكاء مكتوم: بحبها وهى مرمية جريحة حرب، بحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء، وأكرهها وألعن أبوها بعشق زى الداء، رحل تاركا وراءه تاريخا من العطاء تمثل فى ألف ليلة وليلة من الحكايات بدءا من الليلة الكبيرة وحتى ليلة العشاء الأخير، حاملا بَيْنَ ضُلُوعِهِ زحام شوارع وازقة وحارات المحروسة، ماضياً مع السائرين فى حودايت الشوراع، ومن عتمةِ دروبَ يأسه القاتل حمل تساؤلاته على ضوء قنديل الحكمة، ورسم على عينيه فجراً أزرق، متسائلاً يا باب يا مقفول... إمتى الدخول، صبرت ياما واللى يصبر ينول، صبرت ياما واللى يصبر ينول، دقيت سنين... والرد يرجع لى: مين؟، لو كنت عارف مين أنا كنت أقول، لكنه ما يلبث ان يغمض عينيه ويسير بخفّة  متغنيا مع نسّمات الصباح: «غمض عينيك وارقص بخفة ودلع، الدنيا هى الشابة وأنت الــــــــجدع، تشوف رشاقة خطوتك تعبــــــــدك، لكن أنت لو بصيت لرجليك....تـقع عجبى..!!، محاولا اجتياز الياس مُلْتَبِسٍ بالحياة يتلو أنشودة البقاء مرددا ومعيـــــــــدا: وارجع واقول، لسه الطيور بتفنّ، والنحلايات بتطنّ، والطفل ضحكه يرنّ، مع ان مش كل البشر فرحانين، وفيما بين رحلة البزوغ والرحيل ترك الكاتبُ والشاعرُ والرّسام الكاريكتير والممثّل المِصرى صلاح جاهين فى مدة لا تتجاوز السادسة والخمسين عاماً هى ما  قضاها فى عبث الحياة، ارثًا أدبياً وثقافياً ما زال راسخًا ومحفورًا داخل وجدان المصريين تمثل فى أكثر من 161 قصيدة أشهرها قصيدة على اسم مصر وقصيدة تراب الدخان والرباعيّات علاوة على كتابة  الكثير من سيناريوهات  الأفلام، و قد اجد أن «جاهين» تجاوز حدود الشاعر الذى ينقل الى جمهوره شتى المشاعر والأحاسيس التى تحفزها الى الارتماء فى حضن الوطن الدافى،  فإذا به يبدع فى اختيار مفرداته لتشكّل نسيجاً محكماً،  تنبعث من خلال لغة البسطاء ويتدفق الخيال خصباً منتجاً يتراقص على أنغام موسيقاها الشاجية، ليعبر بهم الوديان من خلال طريق الأشواك حافى القدمين، وها هى الذكرى التسعين لميلاد الشاعر العبقرى صلاح جاهين تمر على استحياء شديد، كأنها لم تكن، فى لحظات فارقة  يتعمّق بها الفراغ الذى تركه يوماً بعد يومِ، فى حين يكتسح الإسفاف والضحالة والركاكة الساحة الثقافية إلا القليل من الأعمال الجادة والجيدة التى تستحق الاشادة، لذا فقد أصبح  الاستفادة من هذا الكنز المتمثل فى تراث الشاعر الكبير  صلاح جاهين بإعادة طبع كل أعماله وبيعها بأسعار زهيدة أمرا ملحا تقتضيه اللحظة الثقافية الراهنة».