الثلاثاء 18 مايو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا
فنانون كبار رسموا للصغار أحمد عز العرب

فنانون كبار رسموا للصغار أحمد عز العرب

ولد الفنان أحمد عز العرب فى قرية ميشلة، التابعة لمركز كفر الزيات، بمحافظة الغربية، تلك القرية الجميلة الواقعة مباشرة على شاطئ النيل، حيث القوارب الصغيرة، وشباك الصيادين وهى مليئة بالأسماك بلونها الفضي: الذى يضوى تحت أشعة الشمس الذهبية، وحيث الخضرة بمساحتها الشاسعة عبر الحقول، وسط كل هذا الجمال الطبيعى تشكلت رؤية عمو (أحمد): بين زقزقة العصافير عند الفجر، وقوة الشمس فى وقت الظهيرة، و(طراوة) النسيم عند العصاري، وهى تأتى من الحدائق، محملة بروائح زهور البرتقال والنارنج، وضجيج المغربية عندما يعود الفلاحون إلى بيوتهم، ومعهم مواشيهم وفؤوسهم، ثم أنه لا ينسى حواديت وحكاوى جدته، فى ليل الصيف الريفى البديع، والتى إنطلق معها بخياله، وجعلته ينتمى إلى أرضه ووطنه، وهكذا فى قريته خط أول خطوطه البسيطة، وصنع عرائسه من الطين و...... وماذا أيضا عن طفولتك أيها الفنان الرائع؟ 



حرام عليك يا شيخ إسماعيل!

مثل كل أطفال الريف المصري، ذهبت إلى الكتاب، وكان يعرف بكُتاب الشيخ (إسماعيل)، ولم أستمر به كثيرًا، فسرعان ما هجرته إلى كُتاب الشيخ (سلامة) لأن الشيخ إسماعيل كان يضربنا (عمال على بطال)، أما الشيخ سلامة فكان طيب القلب، جميل الصوت وهو يرتل القرآن الكريم، وكذلك التواشيح، وكنت أحب جدًا أن أصحو قبيل صلاة الفجر لأستمع إلى تواشيحه الجميلة، ولأشهد ميلاد يوم جديد سوف يشرق بعد دقائق، وهكذا استطعت أن أحفظ بعض أجزاء متفرقة من القرآن الكريم بما يتناسب مع سنى وقتها!

زوادة (لمولد سيدى إبراهيم الدسوقي)!

كثيرًا ما استمعت إلى حكايات الجنية والعفاريت: التى تظهر فى عز الظهر لتأخذ الشباب الذى يستحم فى مياه النيل!، ولا أنسى أيضًا طقوس الاستعداد لمولد سيدى إبراهيم الدسوقي، وهى تشبه طقوس الاستعداد للحج، فقبل المولد بأيام ينهمك الناس فى إعداد (الفطير المشلتت) والعيش الفلاحي، والجبن، وكل ألوان أطعمة القرية اللذيذة، ويذهب الأهالى لتوديع الذاهبين إلى المولد: لتنقلهم المراكب إلى الشاطئ الآخر حيث يتم الاحتفال الكبير، وكذلك كان يذهبون لاستقبالهم بالطبل والمزامير عند العودة!

حكايات جدتى مهُجة! 

ما أروع حكايات جدتى (مهُجة) التى رأت الثورة العرابية فى طفولتها المبكرة! وكانت تتمتع بذاكرة حديدية التى كانت تبهرني، وأنا طفل صغير، جعلت بينى وبين التاريخ ألفة ومحبة، فعشقت كُتب التاريخ، وخصوصًا تاريخ مصر، لكى أقارن بينه وبين ما كانت تحكيه لنا جدتي، وكثيرًا ما كتبت خلفها بعض الأشعار القديمة والأزجال التى كانت تًلقيها علينا، وكانت تحفظ الكثير منها، وتعرف أصول العائلات فى قريتنا، وتحفظ أيضًا الأنساب، رحم الله جدتى مُهجة التى جعلتنى وطنيًا، مرتبطًا بأرضي، وعروبتي!

لهذا أحُب طه حسين والعقاد! 

منذ وقت مبكر، دفعتنى حكايات جدتى للقراءة والاطلاع، فكنت أبحث عن اسم قريتى فى الكُتب، وعلى الخرائط، وكان والدى من أشد المعجبين بشخصية د. طه حسين، لأنه قهر الظلام، وتغلب على كل المعوقات حتى صار عميدا للأدب العربي، ولأننى أصبت فى طفولتى بمرض (شلل الأطفال)، فكان والدى حريصًا أن يحكى لى عن كفاح طه حسين، وعن إصرار العقاد الذى لم يحصل إلا على الشهادة الابتدائية، ليصبح، رغم كل ذلك: من أكبر الأدباء والنقاد والمفكرين، وهكذا استطعت أن أتغلب على المرض، وكان على أن اكتشف نقطة الضوء بداخلى وأنميها، بعد أن حرمتنى الإعاقة من اللعب مع الأطفال، وخصوصًا الألعاب التى كنت أحب أن أمارسها مثل: سباقات الجري، وهكذا قرأت كتبا كثيرة مثل: مرآة الإسلام، على هامش السيرة: للدكتور طه حسين!

كيف يفرد النسر الطيني جناحيه؟ 

جلوسى بمفردى كثيرًا، جعلنى اكتشف نفسي، وهكذا تفننت فى صنع أشكال من الطين مثل: تماثيل لشيخ البلد، والعمدة! وكنت ارسم مثلا نسرًا فاردًا جناحيه فيتعجب الأطفال بما أفعل ويلتفون حولي، ويطلبون منى أن أرسم لهم أشياء أخرى! ثم تعرفت على مجلة (على بابا) و(سندباد) وكنت مبهورًا جدًا برسوم الفنان بيكار، كذلك تعلقت جدًا بمجلة (سمير) ومجلة (ميكي)، وخصوصًا مجلة (سمير) لأنها كانت تقدم فى كل عدد هدية من الكرتون، نقوم بقصها ولصقها: فتصبح لعبة جميلة!! وكنت حريصًا على متابعة هذه الهدايا وحتى عندما كبرت!

الأطفال ليسوا هكذا!! 

العمل والكتابة والرسم للأطفال رسالة سامية، وفى منتهى الصعوبة لمن يأخذها بعناية واهتمام، ومع الأسف فأنا ألاحظ أن مذيعة برامج الأطفال، تستخف بعقلية الطفل، وتحدثه بسذاجة، فعالم الطفل أغنى من هذا بكثير، فهو يكره النصائح المباشرة، ولكن على الجانب الآخر يوجد مجموعة من الفنانين المتميزين اللذين يخاطبون الطفل بمحبة واحترام مثل: بيكار، اللباد، حجازي، بهجت عثمان، صلاح بيصار، شاكر المعداوي، إيهاب شاكر، عبد العال، وآخرين. حتى ينطلق الأطفال كالعصافير! 

كل أملى أن يتطور التعليم والإعلام فى مصر، بحيث يتم اكتشاف قدرات الطفل الحقيقة منذ ميلاده، ولن يتم هذا إلا إذا تخلصنا: من النظم والبرامج الجامدة، فمن يرغب أن يكون فنانا يكون فنانًا، ومن يحب أن يصير مهندسًا: يصير مهندسًا، ولن يتم ذلك إلا إذا تحرر الطفل من كل النظم التعليمية والتربوية الرديئة، لينطلق كالعصافير ويحقق أحلامه!