الأحد 11 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
حافظوا على وحدتكم

حافظوا على وحدتكم

هذه إجمالا هى رسالة الرئيس عبدالفتاح السيسى للمصريين من قلب الكاتدرائية ليلة عيد الميلاد، وهى مهمة فى مغزاها ودلالاتها وتوقيتها. 



وقبل أن نتوقف أمام تلك الرسالة المهمة، لا بد أن ندرك مسألة أساسية كثيرا ما أشار إليها المؤرخون، والمتابعون لتطور النظام السياسى المصرى، وهى محورية دور رئيس الدولة فى الحفاظ على التماسك الوطنى، حيث تعد العلاقات الإسلامية المسيحية، أو ما اصطلح على تسميته بالوحدة الوطنية أحد الملفات الأساسية لرأس الدولة المصرية، مثل نهر النيل، والأمن القومى، والسلم والحرب وغيرها. إذ يحدد الرئيس بوصلة مؤسسات الدولة، والتوجهات الأساسية للخطاب السياسى الرسمى، ويبعث بالرسائل السياسية المباشرة وغير المباشرة للمجتمع العام فى هذا الخصوص لما يمتلك من سلطة فعلية، ومكانة سياسية، وثقل رمزى.

وعلى مدار أكثر من عشر سنوات يمكن للمتابع أن يدرك كيف أن ملف الوحدة الوطنية شغل الرئيس السيسى، أكثر من غيره من الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم منذ عام 1952، من حيث الاشتباك مع المشكلات المتوارثة التى ظل يعانى منها الأقباط لعقود طويلة، دون تلكؤ أو تسويف أو تسكين لها، ولم يكتف بالتصدى للمشكلات، لكنه اتجه إلى اتخاذ توجهات جديدة فى العلاقة بين رئيس الدولة والمواطنين المسيحيين، منها التقليد الذى استنه، ولم يكن موجودا قبل ذلك وهو الذهاب إلى الكاتدرائية فى قداس عيد الميلاد لتهنئة الأقباط، ولكنه فى الواقع يتحدث إلى المصريين جميعا.

 

 تحدث الرئيس السيسى أمس الأول الثلاثاء فى الكاتدرائية عن أهمية الوحدة، وعدم السماح لأية محاولات للتفريق بين المصريين، وهى رسالة مهمة فى توقيتها، ومغزاها، حيث تزداد عوامل التفسخ الإقليمى، ويتصاعد لهيب الطائفية والمذهبية، وتتداعى مؤسسات الدولة فى العديد من الأقطار العربية، وتبقى مصر الدولة المتماسكة، وأحد أهم عوامل تماسكها هو وحدة شعبها. ويستطيع المتابع دون جهد أن يتبين المخاطر التى تحيق بتلك الوحدة، من سجالات دينية، وخطابات كراهية، وتعصب وتحريض طائفى، وشائعات على السوشيال ميديا، وذلك بهدف تقويض وحدة المصريين، لتحقيق هدف أبعد هو تفكيك الدولة ذاتها. وبالتالى لم يكن مستغربا أن يؤكد الرئيس فى كلمته القصيرة أنه مهما كانت التحديات، يستطيع المصريون مواجهتها متى ظلوا متماسكين، محافظين على وحدتهم.

 

وقد سعت الرئاسة المصرية فى العقد الأخير إلى تعزيز أسس التماسك، والوحدة بين المصريين، مسلمين ومسيحيين، استنادا إلى مبدأ المواطنة. تجلى ذلك فى مظاهر عديدة أبرزها التعامل بجدية مع العديد من المشكلات الموروثة على مدار عقود مثل بناء وترميم الكنائس، والتمثيل البرلمانى للأقباط، وشغل المناصب العليا والقيادية دون نظر إلى الانتماء الدينى، كل ذلك وغيره، فى سياق خطاب سياسى رسمى يتوجه الى المواطنين جميعا دون تفرقة، ويعلى من شأن الهوية الوطنية. هذه السياسات تعزز شعور المواطنين بالمساواة، ورعاية الدولة لهم جميعا بصرف النظر عن الاختلاف فى المعتقد الدينى، وهو ما يعد من الأسس الصلبة التى يستند إليها التماسك الوطنى، يأتى ذلك فى سياق توجه أوسع لتحقيق مفهوم المواطنة بأبعادها القانونية والسياسية والاجتماعية والثقافية، من خلال مواجهة الفقر والتهميش بمبادرات التنمية، وتعزيز مشاركة المرأة سياسيا واقتصاديا، ودعم الفئات الأكثر عرضة للتمييز مثل ذوى الإعاقة، وغيرهم. هكذا يتشكل ملامح المجتمع الطبيعى الذى يشعر كل أفراده بفرص متساوية فى الحياة.

وسوف تظل هناك بالتأكيد تحديات ثقيلة يواجهها المجتمع مثل الضغوط الاقتصادية، ومحدودية الإمكانات والموارد، ووجود مشروعات سياسية متطرفة مناهضة للدولة، وأزمات اجتماعية، وفقر ونقص فى الخدمات العامة، والحاجة إلى تحديث مؤسسات الدولة، وذلك رغم كل ما قامت به الدولة من جهود لتطوير نوعية الحياة فى المجتمع، ويستطيع المصريون أن يواجهوا تلك التحديات بتماسكهم، ووحدتهم، وتصديهم للقوارض التى تعمل على تمزيق البناء الاجتماعى للدولة، جنبا إلى جنب مع بناء المؤسسات، وتطوير السياسات العامة فى مجالات التنمية الاقتصادية والبشرية والاجتماعية. 

رسالة الرئيس السيسى فى ليلة عيد الميلاد تأكيد على أهمية التماسك الوطنى، وتوجيه النظر إلى المخاطر التى تحيق بها، وأهمية أن يظل المصريون على وحدتهم لمواجهة تلك المخاطر.