الأحد 13 يونيو 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا
أحداث تافهة غيرت العالم

أحداث تافهة غيرت العالم

هناك قرارات وصدف غريبة بل عجيبة حدثت عفوا غيرت العالم فلم يعد مثلما كان قبلها أو قبل أن تقع كان فمثلا كان من الطبيعى أن يكون قرار عالم الجراثيم، ألكسندر فليمنج، بترك بعض الأطباق التى تناول فيها وجبة غدائه غير نظيفة فى مغسلة مطبخه – قبل أن يذهب لقضاء إجازته – أكثر القرارات «تفاهة» فى تاريخ الطب البشرى، لولا أنه أدى إلى واحد من أهم الاكتشافات التى غيرت مجرى تاريخ العالم.



فلدى عودته إلى مختبره وجد فليمنج شيئا غريبا ينمو فى الأطباق. كان هذا العفن يحتوى على خصائص المضاد الحيوى، وهو ما أدى إلى اكتشاف البنسلين.

المثير أن  قوات الحلفاء  استخدمت هذا العقار فى النصف الثانى من الحرب العالمية الثانية للوقاية من «الغرغرينا» وتسمم الدم، بينما فشلت المؤسسات الصحية فى دول المحور فى إنتاج كميات كافية من هذا العقار، وهو ما أدى إلى زيادة معدلات الوفاة بصورة ملحوظة فى صفوف جنودها، وأسهم فى هزيمتها.

ويتشكل التاريخ أيضا عبر أحداث يصنعها أشخاص أقل شهرة من عالِم فى مجال الجراثيم، أو حتى قائد ساكسونى فى قرية نائية.

ففى عام 1933 قرر فنان بريطانى موهوب فى الرابعة والعشرين من عمره، يدعى بيتر سكوت رسم لوحة من داخل مبنى ناء ومتصدع، على بعد ثلاثة أميال من منطقة المد والجزر، حيث تلتقى مقاطعتى «نورفولك ولينكولنشاير» الإنجليزيتين.

 العزلة التى يتسم بها المكان، إضافة إلى الحياة البرية التى يكتنفها، ترسم لوحة طبيعية رائعة لم يقف تأثيرها على إلهام سكوت مجموعة من الأعمال الفنية فحسب، وإنما خلقت منه أهم محافظ على البيئة فى تاريخ العالم.

لم يمض وقت طويل على ارتياد سكوت هذا المكان، حتى تحول إلى مناصر قوى لقضايا البيئة، وشارك فى تأسيس منظمة «الاتحاد الائتمانى، ومنظمة «الصندوق العالمى للحياة البرية» (التى تعرف الآن بـ«الصندوق العالمى للطبيعة».

 سكوت أيضا ساهم فى حظر صيد الحيتان لأغراض تجارية، وهو ما أدى بدوره إلى صياغة «القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض. كما قام بتأليف أكثر من 20 كتابا، وتقديم برنامج تليفزيونى شهير ناقش قضايا البيئة على مدى 26 عاما، وهو ما جعله واحدا من أكثر المحافظين على البيئة تأثيرا فى التاريخ فعلا وليس مجازا أو مبالغة.

تجربة سكوت فى المنارة المهجورة أدت إلى تحولات كبرى لدرجة جعلت المهتمين بقضايا البيئة فى العالم يعلقون لافتة  دائمة ولا تزال موجودة حتى اليوم على بقايا المبنى المتهالك من الخارج تحمل عبارة «المبنى الأكثر أهمية فى تاريخ المحافظة على البيئة فى العالم!

ويحكى لنا التاريخ أيضًا قصة مثيرة توضح أن قرارًا صغيرًا من شخص لم يذكره التاريخ يمكن أن يكون سببًا فى تغييرات هائلة فمثلا ذات يوم فى عام 991، أبحر أسطول من الفايكنج يضم 93 سفينة، ويقوده البحار النرويجى، «أولاف تريجفاسون»، فى نهر «بلاك ووتر»، فى مقاطعة إيسيكس، شرقى إنجلترا، حتى وصل إلى جزيرة نورثى.

على إثر ذلك، قام قائد ساكسونى محلى، اسمه بيرتنوث، بتجميع ميليشيا صغيرة على عجل لمنع جنود الفايكنج من عبور الجسر إلى قريته الحدودية الصغيرة.

أصابت الدهشة جنود الفايكنج عندما وجدوا أنفسهم أمام جسر بالغ الضيق، وهو ما مكن لثلاثة فقط من جنود بيرتنوث من إفشال جميع محاولات جيش الفايكنج، الذى بلغ قوامه 3000 جندي، لعبور الجسر.

لم يمض وقت طويل حتى أصاب الإعياء والإحباط قوات الفايكنج، وباتت حملتهم مهددة بالفشل. إزاء ذلك طلب القائد النرويجى، تريجفاسون، مقابلة بيرتنوث، وشكى إليه أن حبس جنوده بهذه الطريقة لا يتفق مع مبادئ الجندية وأصول المواجهات العسكرية النبيلة.

وافقه بيرتنوث، الذى كان يتسم بالشهامة، وسمح لجنود الفايكنج بعبور الجسر الضيق دون مضايقة، حتى يتسنى للقوات المتناحرة خوض معركة «نبيلة» وجها لوجه. وبعد أن شكر الفايكنج لمضيفيهم نبل أخلاقهم، سارعوا بإعمال سيوفهم فيهم بلا هوادة، وذبحوهم حتى آخر رجل منهم.

أرًخت هذه المعركة لبداية فصل كئيب فى التاريخ الأنجلو ساكسون، وبريطانيا بأكملها؛ حيث تعرضت البلاد لسنين عجاف حيث تكبدت دفع ما كان يطلق عليه «دانيجيلد» وهى ضريبة تؤدى إلى الغزاة النرويج والإسكندنافيين للقبول بالجلاء عن البلد المهزوم  ويقدر المؤرخون أن إجمالى ما دفعه الساكسونيون قد زاد على ستة ملايين عملة فضية يربو وزنها مجتمعة على 100 طن.

كان من الممكن ألا تسير الأمور على هذا النحو. فلو أبقى بيرتنوث قوات تريجفاسون على الجانب الآخر من الجسر حتى تتم نجدته بجيش يستطيع مواجهة جيش الفايكنج، لما احتاجت إنجلترا إلى دفع هذه الضريبة الباهظة، ولما أصابها هذا الوهن، ولما تعرضت للغزو مجددا من قبل قوات، ملك النرويج، الذى ارتأى أن الساكسونيين قد خارت قواهم وباتوا لقمة سائغة لأى غزو أجنبى.