الإثنين 25 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

بصمة صوتها متعددة الطبقات يزلزل خشبة المسرح

عايدة فهمى تغرد «أغنية البجعة» فى «فريدة»

ليس من السهل أن يستحوذ ممثل على اهتمام جمهوره ساعة كاملة؛ فإما نجح فى كسب الاهتمام أو فشل فشلا ذريعا تسبب فى سقوط العرض سقوطا مدويا؛ ليس هناك مجال للوسطية فى نجاح ممثل بمفرده على خشبة المسرح؛ وإن كانت تجنح عروض المونودراما إلى القاعات لتحقيق حميمية التواصل بين الممثل والحاضرين خشية من تباعد المسافات وخلق حواجز بين الممثل والجمهور؛ والتى قد تضر بالمعايشة لأحداث العرض؛ وهذا ما فعله المخرج والمؤلف أكرم مصطفى فى عرضه الجديد «فريدة» بقاعة صلاح عبد الصبور؛ لكن كان لأكرم ومهندس الديكور عمرو عبد الله خيال آخر فى تحويل هذه القاعة إلى خشبة مسرح.



تعتبر عروض المونودراما الأصعب فى ممارسة فن المسرح؛ لذلك يختار صناعها مساحات أصغر وأضيق لتحقيق حالة القرب والحميمية بين هذا الممثل الوحيد والجمهور؛ «فريدة» مأخوذ عن «أغنية البجعة» لأنطون تشيكوف تتناول القصة الأصلية حكاية ممثل مسرحى يجلس مع ملقن يروى له ذكرياته مع هذا المكان؛ استبدل المخرج والمؤلف الممثل بامرأة؛ وقدمها فى قالب مصرى خالص بعنوان «فريدة» ممثلة المسرح التى قررت الذهاب لحضور إحدى بروفاته وبعد انتهاء تلك البروفات تنفرد بخشبة المسرح لتستعيد ذكرياتها على تلك الخشبة التى شهدت عليها وهج سطوع نجوميتها لسنوات وسنوات؛ فبعد أفول نجمها شعرت هذه الفنانة بالوحدة والاغتراب لكنها تقرر إعادة ما أفسدته الحياة فى خيالها الذى سرح لاستعادة الذكريات.

وانطلاقا من معنى المسرحية الأصلية «أغنية البجعة» كما تقول الأسطورة فالبجعة تغرد أغنيتها الأخيرة قبل موتها؛ وكأن تلك اللحظات التى عاشتها هذه الممثلة من استعادة الذكريات ومتعة تمثيل وأداء أدوارها المتنوعة على المسرح كانت كلماتها الأخيرة قبل الرحيل النهائي؛ انطلقت عايدة فهمى لتغرد شخصية «فريدة» فى قاعة صغيرة ببصمة صوتها متعدد الأبعاد والطبقات؛ نجح مهندس الديكور عمرو عبد الله فى تحويل القاعة إلى خشبة مسرح حتى يعيش المتلقى حالة تحول هذه الممثلة فور دخولها ووقوفها على هذه الخشبة الساحرة؛ وكذلك الإضاءة التى عايشت معها لحظات شموخها وهبوطها عندما تعود لحالة السكون الأولى التى بدت عليها وهى منحنية الظهر منذ دخولها وجلوسها على الأريكة؛ كان هناك وعى شديد فى استخدام الإضاءة بتنوع شدتها وخفوتها مع تعدد الحالات النفسية التى مرت بها بطلة العرض ففى مشهد شربها للخمر برقت عيناها وأنارت الإضاءة وجهها ورأسها وكأنها أفاقت بعد غفلة من الزمن هذه الإفاقة رسمت من خلالها «عايدة فهمي» ملامح شخصية فريدة خلال ساعة زمن بقاعة الطليعة.

 أن تشعر بأنفاس مخرج العرض يلاحق البطل فى كل لحظة وحركة وايماءة على المسرح؛ أن تشعر بجهد المخرج واحساسه تجاه ما انتجه من كتابة على النص الأصلى بالورق الذى أراد تقديمه برؤيته الخاصة فى ثوب جديد؛ هذه صعوبة بالغة وموهبة كبيرة تحسب لصانعها أكرم مصطفى؛ الذى ظهر بجوار بطلته جنبا إلى جنب وكأنه كان حاضرا بروحه معها؛ دخلت الفنانة عايدة فهمى لتوهم جمهورها بأنها امرأة طاعنة فى السن لا تستطيع الحركة إلا بالكاد تتجول فى هدوء وتؤدة؛ خطوة خطوة ممسكة بهاتفها فى يدها الذى لا تستطيع تمييز تفاصيله بسبب المسرح المظلم؛ بعد أن تتمكن من إنارة هاتفها تصل إلى مفتاح النور؛ وتظل تقنع صديقتها بأنها لن تشرب الخمر المحببة إلى قلبها لأن الطبيب منعها؛ حيث تتعارض مع أدوية السكر مما قد يؤدى بها إلى الهلوسة؛ ومن هنا انطلق المؤلف لنقل بطلته إلى حالة أخرى غير اعتيادية؛ حتى يبرر تبدلها من حال إلى حال بوقوعها تحت تأثير الهلاوس بسبب اختلاط الخمر بالدواء؛ تتحول من امرأة ثقيلة الحركة إلى سيدة ذات قوة وعنفوان؛ وكأنها فى أوج نجوميتها ومجدها؛ بالطبع تستسلم للسكر؛ وتضرب بكلام صديقتها عرض الحائط؛ تبدأ فى الشرب سعيدة منتشية؛ ثم تتذكر بالتدريج أدوارها على خشبة المسرح التى أدتها بمهارة واقتدار؛ نجد هذه الممثلة تحولت منتصبة القامة؛ يرتفع صوتها وعنقها بأداء شخصيات «ميديا» و»ليدى ماكبث» و»نعمة» وغيرها لتتحول عايدة فهمى مع كل شخصية؛ لكن هذا التحول يتوسطه هبوط وعودة لحالتها الأصلية عندما يرن جرس الهاتف وتقاطعها صديقتها باتصالها مفسدة لحظات اندماجها ومتعتها؛ تتغير وتتبدل طبقات صوتها من القوة للضعف والخضوع؛ ثم تشرب المزيد من الخمر لتشحن قوتها حتى تعود «ميديا» أو «ليدى ماكبث» أو غيرها من الشخصيات النسائية التى استدعتها من الذاكرة؛ كأنها دخلت فى معركة لتعدد الأصوات لشخصيات متعددة الأطياف والأبعاد النفسية متناقضة ما بين المرأة العجوز العاجزة عن الحركة؛ وبين صوت  النجمة صاحبة السطوة فى لعب أدوارها؛ اتقنت الفنانة عايدة فهمى أداء تلك الشخصيات وكأنها أكثر من شخص يؤدى على خشبة المسرح؛ وبالتالى تدرجت حالات المتعة فى العرض؛ وتنوعت بأدائها الممتع الرصين؛ لم يغب عنها الجمهور لحظة واحدة ظلت مستحوذة ومسيطرة على اهتمامه وانتباهه التام طوال ساعة كاملة؛ حتى عادت امرأة هزيلة ضعيفة أهلكها المرض والوحدة والدهر؛ وبعد أن طلبوا منها ضرورة مغادرة المسرح فى هذه الساعة المتأخرة من الليل طلبت الخروج من باب الكواليس الذى كان ومازال يمثل لها الكثير فهو الشاهد على تلك الأيام والذكريات والأضواء؛ وحتى تشعر لآخر وقت بأنها مازالت منتمية لهذا المكان تخرج وتدخل من كواليسه مثل أصحابه الأصليين؛ معان كثيرة وأبعاد إنسانية ونفسية ربما تمس كثيرين من أصحاب هذه المهنة الذين يخشون لحظة غدر الزمن وفراق الكواليس!