الأحد 24 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا
بين عيد الفلاح.. وعيد النيروز

بين عيد الفلاح.. وعيد النيروز

فى عيد النيروز، أتخيل.. كما  لو كان التاريخ رجلاً، لأمسك بالعصا ليرقص فى أول الأعياد التى ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذى يوافق اليوم الأول من شهر» توت «أول أشهر السنة المصرية القديمة. فقد ظلت الاحتفالات بهذا العيد حتى الاحتلال العثمانى لمصر سنة 1517، حتى أصبح مقتصرًا على مجموعات إحياء التراث والمهتمة بالتاريخ المصرى، كما يغلب عليه أيضًا الطابع المسيحى نظرًا لربط المصرى المسيحى القديم العيد بتاريخ الشهداء. ومع تراجع الاهتمام بالتقويم الفرعونى المصرى، يظل التقويم القبطى مستخدمًا لتحديد مناسبات الكنيسة الأرثوذكسية التى امتد نفوذها من الإسكندرية فى مصر، إلى بلاد الحبشة. وكان المصريون يحتفلون به فى مطلع «توت»، أول شهر فى السنة القبطية، بالتقويم الفرعونى أو المصري، الذى بدأ عام 4241 قبل الميلاد، وهو مطلع السنة 6295 فرعونية/مصرية، والسنة 1734 قبطية.



وقد اكتشف الفلاح المصرى بعبقريته وقراءته للأفلاك والنجوم، وامتلاكه مياه مجرى نهر النيل العظيم بقيامه بالسيطرة عليه، بل تعامل معه وكأنه الثور الذى أمسكه من قرنيه عند فرعى الدلتا، وقام بحساب عدد شهور السنة وتقسيمها إلى 12 شهرًا و«شهر صغير» يسمى النسىء، وهى أيام تكمل السنة، وربما كان أصل تسميتها كأنها «نسيت»، وهى بالتحديد 4 أيام من 6 إلى 10 سبتمبر. وتواترت إلينا عبر السنين أن شهور السنة القبطية تبدأ بتوت، ثم بابه، هاتور، كيهك، طوبة، أمشير، برمهات، برمودة، بشنس، بؤونة، أبيب، مسرى. وتعود أسماؤها إلى الهيروغليفية، وأسماء آلهة وأعياد دينية منذ آلاف السنين، تم تحويرها على مدى قرون إلى أن استقرت على هذه الأسماء القبطية:

توت: نسبة إلى الإله المصرى توت أو تحوت إله الحكمة والعلم والكتابة وحامى الكتبة. «إروى ولا تفوت»، أى أن الرى ولو كان كثيرًا لا يضر الأرض. 

بابة : « أبة» هو الاسم الأصلى للأقصر.وكذلك نسبة إلى عيد أوبت وهو عيد انتقال الإله آمون من معبده فى الكرنك إلى معبده فى الأقصر. «خش واقفل البوابة»، أى أغلق الأبواب والمنافذ جيدًا استعدادًا للبرد مع قدوم الخريف.

هاتور: نسبة إلى حاتحور(هاتور فى القبطية) إلهة العطاء والحب والموسيقا. 

أو «أبو الدهب منثور»، أى إصفرار محصول القمح فى الحقول مع قرب حصاده كيهك: مشتق من التعبير كا- حر- كا أى قرين مع قرين. ومعناه:عيد اجتماع الأرواح عند الفراعنة.

: «صباحك مساك شيل إيدك من غداك وحطها فى عشاك»، كدليل على قصر النهار فى هذا الوقت من السنة.

طوبة: مشتق من الكلمة المصرية القديمة تاعبت وهو أحد الاعياد.

«تخلى الشابة كركوبة»، أى من شدة البرد تصبح الصبية وكأنها عجوز، لانحنائها بحثًا عن الدفء.

أمشير: إشارة إلى عيد يرتبط بالإله «مخير» وهو الإله المسئول عن الزوابع، أى أن رياحه العاتية تكاد تمزق الأجساد، وأيضًا «أمشير أبو الزعابير الكتير ياخد العجوزة ويطير». برمهات: ربما نسبة إلى عيد يتعلق بالملك أمنحتب.«روح الغيط وهات»، أى اذهب إلى الحقل واجمع ثمار المحاصيل

برمودة: نسبة إلى إله الحصاد (رنودة).«دق العامودة»، أى تجهيز درس القمح بعد حصاده، وكان ينصب عامود فى وسط «جرن» لذلك.

بشنس: نسبة إلى الإله خونسو (خنس فى القبطية) إله القمر عند الفراعنة وممثل دورالابن فى ثالوث طيبة: «يكنس الأرض كنس»، أى ما بعد الحصاد وخلو الحقول من آثار زراعتها. بؤونة : نسبة إلى عيد «أنت» أى عيد الوادى وهو العيد الذى ينتقل فيه آمون من شرق النيل إلى غربه.وكانت الذبائح تقدم تكريمًا للراقدين.

أبيب: عيد الإلهة أبيبى عند الفراعنة.بؤونة: «تنشف الميه من الماعونة»، أى تتبخر المياه من الأوانى من شدة الحر، و«بؤونه نقل وتخزين المونة».«فيه العنب يطيب»، أى شهر حصاد الكروم. 

مسره (مسرى): نسبة إلى مسو- رع أى ولادة رع.شهر اشتهر عند الفلاحين قبل عقود بأن الحمير تتوالد أو تنفق فيه كثيرًا، و«تجرى فيه كل ترعة عسرة»، أى تزيد مياه فيضان النيل فتغمر حتى القنوات الصغيرة الجافة طوال العام.

النسى أو الشهر الصغير، يحتفل بأوزيريس فى أول هذه الأيام.

والذى يعنينا فى الأمر، هو هذا الفلاح المصرى الذى استعان بفطرته فى استخدام مشاهداته، واستخدام هذا التقويم فقط فى حياته لارتباطه بالزراعة: من فيضان النيل وجفافه إلى زراعة المحاصيل وحصدها، لكن مع تقدم تقنية الزراعة واستخدام الآلات وتنوع المحاصيل، بدلًا من المحاصيل الحقلية التقليدية، ربما تضاءل استخدام الشهور القبطية.

والمعروف أن الفلاح المصرى لاقى الكثير من المظالم فى عهود الإقطاع وسيطرة رأس المال على الحكم فى عهد الملكية، وقد تناول الشاعرصلاح جاهين جانبا من مأساة هذا الفلاح حينذاك.. وقال:

القمح.. مش زى الدهب.. القمح زى الفلاحين.. عيدان نحيلة جدرها بياكُل فى طين.. زى اسماعين ومحمدين.. وحسين أبو عويضة اللى قاسى وانضرب.. عشان طلب..حفنة سنابل ريَّها كان بالعرق..عرق الجبين.. القمح زى حسين يعيش ياكل فى طين.. أما اللى فى القصر الكبير.. يلبس حرير.. والسنبله.. يبعت رجاله يحصدوها من علي.. عود الفقير!!

وتداركت الثورة المصرية هذا الغبن الواقع على كاهله، فأصدرت قوانين الإصلاح الزراعي، وقامت بتمليكه بعض الأفدنة للمساهمة فى إصلاح أحواله وأحوال أسرته وخصصت له عيدا.. الأمر الذى نود الحفاظ عليه وعلى ثرواته التى تخدم الاقتصاد القومى.. وحتى يظل الفلاح المصرى علامة مهمة على تحولاتنا التاريخية العظيمة.

أستاذ اللغويات ورئيس قسم الإنتاج الإبداعى السابق بأكاديمية الفنون _عضو اتحاد كتاب مصر