الإثنين 25 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا
التعليم.. من التخريب إلى التطوير (5)

التعليم.. من التخريب إلى التطوير (5)

التعليم يعنى تأصيل الهوية الوطنية، وبناء مجتمع متماسك، المدرسة فيه هى اللبنة الأولى فى تكوين الشخصية، وصقل قيم المواطنة، وزرع الانتماء لدى الأطفال و الطلاب، تتشارك فيه المدرسة مع الإعلام فى توجيه محركات الوعى الجمعى تجاه أهداف الدولة، وخططها التنموية، ودوائر أمنها القومي،  إن فوضى تفشى بؤر الدروس الخصوصية يصيب عجلة تطور التعليم بالعطب، ويفسد خطط واستراتيجيات الدولة فى بناء أجيال مؤهلة تنطلق من قيمنا وهويتنا وتتفاعل مع تحديات العصر ومستحدثاته، وتزيد اعداد المتسربين من التعليم الالزامي، وتضيف سنويا مئات الآلاف الى طوابير أمية المتعلمين الذين ضررهم أكثر من نفعهم، وتسهم فى رفع معدلات البطالة التى تمثل عبئا كبيرا على الاقتصاد الوطنى.



فى العقدين الأخيرين حصدنا نتاج نظام التعليم المتردي، ضعفا فى الانتماء، وغيابا للهوية،  وانحلالا فى السلوك لا يحتاج إلى أدلة وبراهين، مظاهره صادمة، أفعاله خادشه، شاهدناه جميعا فى الشوارع والطرقات، وعلى شاشات التليفزيون فى 25 يناير 2011م وما بعدها، ولايزال بعضهم يثير حالات الاستهجان والاستياء  والقرف والغثيان على قنوات اليوتيوب،  وصفحات التواصل الاجتماعي، حصاد قميء  لتردى العملية التعليمية  جنته الدولة المصرية،  فوضى وانفلات، تدهور اقتصادي، انهيار منظومة القيم، كل هذا وأسوأ يعود الى أن حكومات ما قبل 2013م، اعتمدت سياسات  الخديو سعيد الذى حكم مصر لمدة 9 سنوات فى الفترة من 1854 إلى 1863 أغلق خلالها جميع المدارس المصرية وطبق مقولته الشهيرة، « أمة جاهلة أسلس قيادة من أمة متعلمة»، هذا هو نهج الحكومات الرخوة، والأنظمة الضعيفة.

الاستثمار فى التعليم من الركائز الأساسية التى تقوم عليها الجمهورية الجديدة التى اختارت الطريق الأصعب، وأخذت على عاتقها تطوير منظومة التعليم مهما كان الثمن، ومهما كانت التحديات والعراقيل، فالدولة القوية تعمل وفقا لقانون الازاحة لا وفقا لنظرية الاوانى المستطرقة، التعليم بات أولوية الدولة والمجتمع، لم يعد مقبولا أن تنفق الدولة ميزانيات ضخمة على التعليم يبلغ حجمها أكثر من ربع تريليون جنيه يذهب 85% منها الى رواتب واجور مدرسين أغلقوا المدارس، وغيبوا التلاميذ قهرا حتى باتت السنة الدراسية فى مصر واحدة من أقصر السنوات الدراسية فى العالم حيث لا يذهب أحدا، الكل غائب، إداريين ومدرسين وتلاميذ، بينما يلتزم الطالب فى اليابان وكوريا الجنوبية بحضور  210 و220 يوماً على الأقل  فى السنة الدراسية التى يبلغ عددها 240 يوما، فى الوقت الذى يتعاطى فيه ملايين الطلاب من المصرين داخل غرز الدروس الخصوصية جرعات من التلقين الاعمى الذى يبطل إعمال العقل، وينمى التواكل، ويهمل المهام الاساسية فى العملية التعليمية التى منها، اكتشاف وتوظيف القدرات والمهارات والمواهب، ويلغى ملكات النقاش والتفكير النقدي، ويشجع على التطرف والعدوانية.

كثيرة هى المشكلات المزمنة التى تعانى منها منظومة التعليم وبدون مواجهتها بحسم.  سوف يظل تطوير التعليم حلما صعب المنال، وضرباً من ضروب الخيال ما لم يتم تحسين أوضاع المعلمين أدبيا وماليا، والقضاء التام على ظاهرة الدروس الخصوصية، والبحث عن حلول سريعة لمواجهة اكتظاظ الفصول المدرسية، ووجود نظام فعال للمساءلة والمحاسبة. 

أزمة التعليم فى مصر، أزمة مصير، تمس هوية الأمة وحاضرها ومستقبلها، النقاش حول قضية التعليم موضوع معقد ومثير للجدل والاهتمام، أطرافه متشابكة، بعض عناصر العملية التعليمية يستعصى على العلاج، فى ظل استمرار سياسة الشد والجذب بين دولة عازمة على المضى فى تطوير آليات ومناهج التعليم من جهة، وبين ادارات مدرسية رخوة، وأباطرة دروس خصوصية مارقين، وأولياء أمور يجهلون جدوى التطوير والتجديد من جهة أخرى، التعليم هو قاطرة التقدم للدولة العصرية التى نعبر بها الى المستقبل الذى نبتغيه لأجيالنا.

(للحديث بقية)