الإثنين 24 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
احمد باشا

وسيلة انتقام أم لمصلحة المريض

النقل بالإجبار لمصحات العلاج النفسى

أشخاص مهذبون يتحدثون بلباقة شديدة بينما ترشف مشروبك فى هدوء وأنت تتابع حديثهم بل وتحاول المشاركة فيه وسط ترقب من أفراد أسرتك وفجأة تجد السواد أصبح يغلف كل شيء تفقد الوعى لتستعيده فيما بعد لتجد نفسك أصبحت نزيلا فى مصحة للعلاج النفسى والإدمان.. السطور السابقة ليست ضمن سيناريو لعمل درامى ولكن هى واقع عاشه أفراد تم نقلهم بالإجبار لمصحات نفسية إما لمرضهم الفعلى ورفضهم العلاج أو انتقامًا منهم أو ترويعًا لهم من أجل الامتثال لرغبة من أدخلوهم المصحة، ويعرف الأمر بتعبير:(الشحن)، بحثت «روزاليوسف» فى مدى صحة هذه الوسيلة وقانونيتها.



 

«الرضوى» بدلًا عن الميراث

 

جميع القصص المذكورة فى التحقيق تم حجب الأسماء الحقيقية لأصحابها حفاظًا على خصوصيتهم وبناء على طلبهم.

رانيا فتاة عشرينية تنتمى إلى قرية فى الصعيد لا تعرف توريث الفتيات، ولأن رانيا فتاة متعلمة استقلت بحياتها فى القاهرة منذ سنوات الدراسة الجامعية بدعم من والدها قررت بعد وفاته مطالبة أعمامها بميراثها الشرعى من الأرض الزراعية، لم تقبل بما يعرف بـ (الرضوى) أى منحها مبلغا ماليا لإرضائها علاوة على منحها مبالغ مالية فى الأعياد والمناسبات لكنها رفضت.

تقول رانيا إنها قامت برفع دعوى قضائية، وفى يوم تفاجأت فى منزلها المستأجر فى القاهرة بزيارة من الأعمام بصحبة أغراب لا تعرفهم وطلب منها إعداد الشاى والذى وضع فيه المخدر، لم تفلح دموعها فى استجداء عطف العاملين فى المصحة التى نقلت إليها وتقع فى العاشر من رمضان، وتبين لها فيما بعد أنها غير مرخصة، التنازل عن القضية كان هو الحل الوحيد؛ وهو ما أقبلت عليه رانيا للخلاص من هذا الكابوس. 

 

المريض قد لا يعرف مصلحته 

 

نهلة اسم مستعار لسيدة عمرها 29 سنة تعانى من الاكتئاب الحاد ولديها ميول انتحارية بنسبة مرتفعة ترى أن فكرة النقل بالإجبار المعروفة بالشحن ليست غير إنسانية فى كل الأحوال وذكرت أن زوجها أجبرها على الدخول لمصحة نفسية رغمًا عنها لأنها كانت فى حالة لا تسمح لها أن يكون لها إرادة لمعرفة مصلحتها، وتقول:»كان أمرًا قاسيًا ولكن كان لمصلحتى وهو ما أدركته فيما بعد عندما تحسنت حالتي».

وأضافت أنها فى أول تعامل لها مع طبيبها النفسى تم الاتفاق بينهم حول صلاحياته لاسيما فى حالة الإقبال على الانتحار.وذكرت أنها قبل عامين حاولت الانتحار وأصيبت بغيبوبة وظلت تعالج فى الرعاية المركزة لمدة يومين وكان ضروريًا إيداعها المصحة النفسية لعلاجها خوفًا من تكرار المحاولة وهو ما رفضته نهلة وبعد شهرين كررت المحاولة وقرر الطبيب بالاتفاق مع زوجها وعلى أساس العقد الموقع بينها وبين الطبيب إيداعها فى المصحة للعلاج.

تقول نهلة:» فى البداية كنت غاضبة ورفضت الطعام وحتى المحاليل نزعتها من يدي، ولكن بعد أن مرت الأزمة أرى أن نقلى بالإجبار كان إنسانيا وقانونيا جدًا؛لأن الأهم هو حفاظ المعالج النفسى على حياة المريض، والقرار كان فى صالحي». 

 

التعافى من أثر الشحن 

 

ندى أيمن أخصائية نفسية تعمل فى إحدى المصحات الخاصة لعلاج الإدمان والأمراض النفسية قالت لـ«روزاليوسف» إن الشكل المثالى فى علاج الإدمان هو أن يقرر المدمن ذلك، ولكن عندما يكون سلوكه عنيفًا يضرب ويسرق ويسبب المشاكل يكون نقله بالإجبار للعلاج الحل الوحيد أمام أسرته.

أضافت:»نعمل على تهدئة المريض واستيعاب غضبه والقول بأن هذه الطريقة ليست الأفضل ونبدأ بعدها فى دفعه لتأمل سلوكه قبل النقل للمصحة وعن مدى رضائه عنه، وبالفعل يجد أن مشاكله أكبر من طريقة نقله للمصحة وهو أمر الهدف منه إنقاذ حياته وتعديل سلوكه».

واعتبرت أن طريقة (الشحن) تكون الأفضل فى بعض الحالات التى تعانى من أعراض ذهانية واضحة ويصعب على أسرته السيطرة عليه بل لا يسلموا من أذاه هذا بالإضافة إلى تعرضهم للتهديد بالقتل.

وترى أن مراكز علاج الإدمان فى مصر بوجه عام تحتاج إلى الرقابة وكثير منها غير مقنن وتتم فيه ممارسة تعذيب غير إنسانية.

 

قانون الصحة النفسية

 

بحسب المادة ١٣من قانون الصحة النفسية  لا يجوز إدخال أى شخص إلزاميًا للعلاج بإحدى منشآت الصحة النفسية إلا بموافقة الطبيب النفسى ، وذلك عند وجود علامات واضحة تدل على وجود مرض نفسى شديد يتطلب علاجه دخول إحدى منشآت الصحة النفسية، وذلك فى الحالتين الآتيتين: الأولى - قيام احتمال تدهور شديد ووشيك للحالة المرضية النفسية، وكان القانون قد تم تعديله من خلال البرلمان فى شهر أغسطس عام 2020 ومن هذه التعديلات تقنين استخدام العلاج الكهربائى دون مراجعة مستقلة، كما توجب القواعد الطبية وكما كان ينص القانون السابق، كما سمحت التعديلات للطبيب غير المختص بإعطاء علاج الطوارئ.

علاء غنام، رئيس لجنة الحق فى الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قال لـ«روزاليوسف»:هذا الموضوع معقد جدًا نتحدث هنا عن أهلية المريض لأن الأصل فى الأمور هو أن يقرر المريض أنه فى حاجة للعلاج ويذهب للمصحة أو المستشفى ولكن فى حالة المرض النفسى أو العقلى لا يكون كامل الإرادة، وهنا يجب أن يعرض على لجنة هى من تأخذ القرار نيابة عنه، وطالب غنام بضرورة إغلاق مصحات علاج الإدمان غير المرخصة والتى لا يوجد ما يحكم عملها ويراقبه وتحدث بها الكثير من الانتهاكات مؤكدًا أهمية زيادة أعداد مصحات علاج الإدمان، مشيرًا إلى أن التعديل الأخير على قانون الصحة النفسية كان لمصلحة المريض.

 

عقاب طلب الطلاق

 

النقل بالإجبار لمصحة علاج نفسى هو ما حدث لأخت الزوج السابق لمى -اسم مستعار- وهى سيدة أربعينية، كانت متزوجة من شخص عندما طلبت منه الطلاق وجدت نفسها مهددة بالشحن أو الزج بها فى مصحة العلاج النفسى ولكن بحسب روايتها بدون الإصابة بمرض ولكن لأنها طلبت الطلاق من زوجها الذى قالت إنها ذاقت معه العذاب وأصبح الفِراق هو السبيل الوحيد أمامها، لكنه رفض وبمساعدة من أسرته قرر استغلال معاناة مى من الاكتئاب وترددها على أطباء نفسيين للعلاج؛ وهو الأمر الذى دفعه إليه من خلال معاملته السيئة وتعنيفه لها لكنه لم يكن لدرجة الإيداع فى مصحة لكنه قرر ذلك لتأديبها، والزوج قانونًا لديه السلطة لإيداعها المصحة، ولكن علمت بالأمر وتمكنت من خلال أسرتها من الهرب بعيدًا عنه حتى تمكنت من الحصول على الطلاق، وهو الأمر الذى مازالت تحاول تجاوزه نفسيًا.   

كوثر اسم مستعار لسيدة مسنة تجاوزت عامها الستين لا يعرف جسدها الراحة ولا عقلها الهدوء، وكأن حياتها بين شقى الرحى من ناحية كان زوج لا يعرف الرحمة يضربها مرارًا عانت الأمرين معه حتى مات فى مشاجرة ظنت بعدها أنها تخلصت من المتاعب، إلا أن ابنها كان الشق الثانى من الرحى التى طحنتها بقسوة ومازلت، فالولد سر أبيه عرف طريق الإدمان مبكرًا باع كل شيء ويضربها باستمرار ليسرق منها راتبها البسيط الذى تحصل عليه من مهنتها وهى عاملة نظافة فى أحد المستشفيات الخاصة قبلوا بها رغمًا عن قدراتها الصحية الضعيفة تعاطفًا معها ليكون لها مصدر دخل.

تروى الأم المتألمة فظاعة ما يعانيه ابنها من أعراض وهلاوس وعنف أمام قوتها الجسدية المحدودة، وتقول إنها فكرت فى علاجه لم تجد له مكان فى المستشفى الحكومى علاوة على أنهم يشترطون حضوره بنفسه وهو ما يرفضه، ومن خلال مسئولة إحدى الجمعيات التى تطوعت لمساعدتها تمكنت كوثر من التواصل مع مصحة خاصة لعلاج الإدمان تبين أنها غير مرخصة حدثوها عن إمكانية (شحنه) أى نقله بالإجبار للمصحة، وكانت على استعداد لذلك، لكن ضيق ذات اليد هو ما منعها.

 

مصلحة المريض

 

يقول دكتور سامح حجاج دكتور سامح حجاج أخصائى الطب النفسي، نائب مدير مستشفى العباسية للصحة النفسية سابقًا إنه لا يمكن الجزم بصحة القصص التى يذكرها المرضى لأن هناك ما يسمى بضلالات الاضطهاد وهى من أعراض مرض الفصام، وتعنى أن يجزم المريض بصحة قصص قد تبدو حقيقية فى بعض الأحيان أو خيالية تمامًا مثل الأقمار الصناعية التى تطارده وهذا الأمر يجب وضعه فى عين الاعتبار.

أضاف أن المرض النفسى مثل أى مرض أحيانًا له أعراض جسدية أو يقتصر على المتاعب النفسية مثل القلق أو المخاوف وقد يشعر المريض باحتياجه للعلاج، ويتوجه للعيادات النفسية، ويمكن للمرض النفسى أن يؤثر على الأفكار والقدرة على فهم المعانى وما ورائها، والمخ الطبيعى يمكنه الفصل بين الواقع والخيال ولكن مريض الفصام على سبيل المثال لا يدرك أصلًا أنه مريض، ونجد من يقول بإنه المهدى المنتظر ؛ وهذا النوع من المرض ينطبق عليه القانون بإرغامه على العلاج حتى يسترد وضعه القانونى ويكون كامل الأهلية القانونية ويوجد نسبة من المرضى تحتاج لذلك والعلاج النفسى هنا لا ينتهك حقوقه بل على العكس يحافظ عليها. 

يكمل حجاج: يوجد قصص مرعبة منها شخص تصور أن طفل رضيع به أجهزة تجسس ووضعه تحت عجلات القطار ومثل هذه النماذج تؤكد على أن الاختيار فى شأن العلاج ليس دائمًا القرار الأفضل ولكن مع الحفاظ على منع انتهاك حقوقه .