الأربعاء 10 أغسطس 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
احمد باشا
شيخ المحققين د.حسين نصار فى ذكراه

شيخ المحققين د.حسين نصار فى ذكراه

أعتقد أنه من حق جيلى أن يفخر بالتواجد فى عصر عمالقة الأدب العربى، وأن يزهو بمعاصرتهم والجلوس بين أيديهم فى مقاعد الدرس والتحصيل، لنتلقى العلوم ممن نعدهم أساطين للغة العربية وأفذاذها، ممن وهبتهم مصر المحروسة للأجيال، فمنحوها كل الشرف بإبداعاتهم التى ستظل تراثًا رائعًا ومرجعًا صادقًا ومنهلًا صافيُا رقراقًا لكل محبى الأدب العربى على مدى العصور . ولعلى هُنا أشير بكل الفخر والاعتزاز لواحدٍ ممن تتلمذت على يديهم فى مراحل الدراسات العليا حتى نيل درجة الدكتوراه، فكان نعم الموجِّه بكل حنو المشاعر الأبوية الصادقة، والأخذ بيد تلامذته وطلاب علمه، إلى أن يمنحهم ـ بكل الود ـ شرف الصداقة والزمالة العلمية، وليكونوا معه جنبًا إلى جنب فى محراب العلوم الإنسانية الرفيعة، ذلكم هو العلامة الجليل الأستاذ الدكتور/حسين نصار.. الذى أود أن أفيه حقه فى التعريف به وبمشواره العلمى على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان. وهذه مدينة الإسكندرية التى عرفها الفتى اليافع حسين نصار عندما كان طالبًا راغبًا آنذاك بأن يصبح طبيبًا، ولكن شاءت الحرب العالمية الثانية أن تغير مجرى حياته، وكانت المدينة المصرية الساحلية الجميلة غارقة تحت وابل القذائف والرصاص. ويقول د.حسين نصار عن تلك الفترة: «أنا علشان كده بأقول إن الإنسان العادى الذى يفاجأ بتغيير فى حياته يستطيع أن يستفيد من هذا التغير إذا كان إنسانا مجرد ذكاء عادى لا أقول شديد الذكاء، لكن فعلا كانت الإسكندرية بتهجر لأنه كان غارات مستمرة من الألمان على الإسكندرية وأنا رشحت لكلية الطب فى الإسكندرية.. وذهبت.. حاولت أبحث عن أقارب لى أسكن عندهم، لم أجد كلها مهاجرون وبعدين أيضا أبحث عن مكان أستأجره فتعبت فلما تعبت فرجعت إلى القاهرة....».



وتعالوا بنا نعد إلى البدايات منذ لحظة الانطلاق نحو احتلال درة التاج على رأس علماء اللغة العربية وآدابها، فقد نشأ فى مدينة أسيوط، حيث ولد فيها فى 25 أكتوبر عام 1925م والتحق بالمدرسة الابتدائية بها، ثم التحق بمدرستها الثانوية، وكان لمدرس اللغة العربية فى السنة الثالثة الابتدائية بالغ الأثر فى حياته، فهو الذى حببه وزملائه فى اللغة وآدابها، وحببه أيضًا فى القراءة، ثم التقى بمجموعة أساتذة اللغة العربية فى المدرسة الثانوية بأسيوط، كان هو بالقسم العلمى وعندما حصل على البكالوريا، التحق بكلية طب الإسكندرية، (جامعة فاروق الأول)، كان ذلك أثناء الحرب العالمية الثانية، والإسكندرية فى ذلك الوقت عرضة للغارات الألمانية، فخافت أسرته عليه، حيث كنت الابن الوحيد لهم، فعاد إلى القاهرة، والتحق بكلية الآداب، خاصة وهو فى التوجيهية دخل المسابقة التى أبتكرها عميد الأدب العربى الأستاذ الدكتور طه حسين، وكان ضمن جوائزها أن من ينجح فيها يتمتع بالمجانية فى الجامعة، وكان هذا النظام يعطى للطالب الحق فى اختيار أى مادة من المواد، فاختار هو اللغة العربية.

ولعل من المفارقات الغريبة أو الجميلة فى حياة هذا الأديب، أن اختطفته الإذاعة المصرية بعد التخرج فى العام 1947م ليعمل مذيعًا لنشرات الأخبار لإتقانه اللغة العربية، وكان الاختيار من رئيس قسم المذيعين الإعلامى الفذ/عبدالوهاب يوسف، إلى  جانب كوكبة كبيرة من مشاهير الإذاعة المصرية فى زمانه، وفى تلك الأثناء حصل على الماجستير عام 1949م، فى موضوع: «نشأة الكتابة فى الأدب العربي»، بإشراف الأستاذ الكبير والمحقق القدير مصطفى السقا، الذى شمله برعايته وأرشده إلى أقوم طريق. بعدها أنتقل للعمل فى كلية الآداب معيدًا، حيث كان نظام المدرس المساعد لم يتواجد بعد، وحصل على الدكتوراه عام 1953م فى موضوع «المعجم العربى ـ نشأته وتطوره» بإشراف الأستاذ السقا أيضًا، وهذا الموضوع لم يسبقه فيه أحد من قبل، وأفاد كل المشتغلين به من بعده، وفى تلك الأثناء جاء إلى مصر المحقق الكبير أحمد عبدالغفور عطار للبحث والتحقيق، ونشر العديد من كتب التراث المهمة برعاية ودعم مالى لرجل الأعمال السعودى حسن شربتلى، وكان أن أعجب بموضوع الدكتوراه، فنشره فى مشروعه وأفاد أيضًا منها عندما حقق عطار «الصحاح» للجوهرى.

 وأسهم أ.د.حسين نصار فى ترجمة بعض الكتب التى سدت ثغرة كانت موجودة بالمكتبة العربية، بدأ اهتمامه بالترجمة من نقطه اهتمامه باللغة العربية، وهذا يتجلى واضحًا فى ترجمته مؤلفات لكبار المستشرقين، ليقدمها لقراء العالم العربى، من أجل أن تفتح أمامهم آفاقًا جديدة فى مواطن الدراسة العربية، ولم يترجم كتب الأدب فقط، بل تجاوزها إلى ترجمة عدة كتب فى الموسيقى العربية وهى: «تاريخ الموسيقى العربية حتى القرن الثالث عشر»، و«الموسيقى والغناء فى ألف ليلة وليلة»، و«مصادر الموسيقى العربية». عمل رئيسًا لقسم اللغة العربية 1972م، وفى سنة 1975م أختاره الدكتور محمد صبحى عبد الحكيم وكيلًا لكلية الآداب للدراسات العليا والبحوث.

وتلعب المصادفات دورها الفاعل فى حياة أستاذنا الجليل، وكأن الحياة تعطيه الجزاء الأوفى للاجتهاد والانكباب على البحث والدرس وإثراء الحقل العلمى بكل ثمرات الأدب العربى وفنونه المتعددة، فجاء تعيينه رئيسًا لأكاديمية الفنون بالصدفة، فأثناء عمله عميدًا لكلية الآداب قام بعمل احتفالية عن طه حسين اشتملت على دراسات أدبية ونقدية وقصائد شعر، ومسرحية ألفها الثنائى الكبير.د. محمد عنانى، ود.سمير سرحان، عن أزمة كتاب الشعر الجاهلى، وقدمت الأبحاث والأشعار بالكلية، أما المسرحية فعرضت بالمسرح القومى بحضور منصور حسن وزير الثقافة والإعلام آنذاك، الذى أعجب بالليلة وبالتنظيم الذى قدمت به، ففكر فى أن ينتدبه رئيسًا لأكاديمية الفنون، وخاصة أن فترة الأستاذ الدكتور رشاد رشدى قد قاربت على الانتهاء، وأثناء عمله بالأكاديمية وضع قانونًا لها، وافق عليه مجلس الشعب شبيها بقانون الجامعة. والدكتور حسين نصار هو مقرر لجنة الدراسات اللغوية والأدبية بالمجلس القومى للثقافة والفنون والآداب والإعلام، ومستشار رئيس دار الكتب عن مركز تحقيق التراث، وعضوًا فى المجلس الأعلى للثقافة، وعضو اتحاد كتاب مصر والذى توجه د.علاء عبد الهادى رئيس الاتحاد رئيسا شرفيا. وخلال رحلته حصل على تكريم مصر والدول العربية وأهمها: جائزة الدولة التقديرية فى الآداب 1986، وجائزة الملك فيصل العالمية فى الآداب 2004، وجائزة الرئيس مبارك فى الآداب 2006م.

لم أستطع حين وفاة أستاذى شيخ المحققين د.نصار أن أكتب عنه لأعبر عما يجيش فى صدرى من عميق الحزن على فقده، والآن فى ذكرى مرور أربعة أعوام على رحيله، أحببت أن أرسل له رسالة عبر هذه الأسطر ـ التى تسمح بها مساحة المقال ـ مفادها أننا أبدا لم ولن ننساك فأفضالك العلمية والإنسانية تتطوق أعناقنا ما حيينا لن ينكرها سوى الجاحدين وحاشا لله أن يكون بين أبنائك جاحد.. رحمك الله أستاذنا العالم الجليل وجزاك عنا خير الجزاء!

أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعى بأكاديمية الفنون