الجمعة 3 فبراير 2023
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
احمد باشا

بريد روزا

عواطف تدعمها حدود الله

تحية طيبة من القلب لبريد روزا وبعد...



 أنا سيدى الفاضل زوجة حاصلة على مؤهل عالٍ، أبلغ من العمر ٢٤ عامًا، وأعيش بالقاهرة، تزوجت من زميل لى بإحدى الهيئات الكبرى، حيث جمعتنا قصة حب، وتقارب كبير فى وجهات النظر والطباع، رُزقنا بابنة وحيدة تبلغ من العمر ثلاثة أعوام، وعشنا فى منطقتنا بشقة متواضعة، قبل اشتراكنا معًا فى شراء أخرى بحى راقِِ، وانتقالنا إليها منذ بضعة أشهر - مشكلتى لا تتعلق بأسرتى أستاذ أحمد، بل بتحقيق أمنية إنسانية محفوفة بالمخاطر، وعدم شرعيتها الدينية يمثل محورها الرئيسى، بطلها طفل يبلغ من العمر ٤ أعوام، هو ابن شقيق زوجى الكبير، موظف بسيط توفت زوجته منذ شهرين، بعد معاناتها مع المرض، وتركت له ولدًا وحيدًا.. هذا الطفل من يراه للوهلة الأولى، يعتقد بأنه يتيم الأبوين، لأن والده حاضر غائب فى حياته، فضل الزواج سريعًا وتلبية رغبة زوجته الجديدة، بترك ابنه لحماتى المسنة والمريضة، مع بضعة مئات من الجنيهات الشهرية لكفالته، اعتمادًا على معاشها من زوجها رحمه الله - وما أجج صراع الحزن بداخلى أكثر، على حال هذا المسكين، كان خلال زيارته الأخيرة رفقة جدته، لقضائهما بضعة أيام عندنا، وملاحظتى تلعثمه فى الكلام، والتشكك فى معاناته من مشكلة ما، ما دفعنى لاقتراح عرضه على طبيب نفسى، وبالفعل تأكدت ظنونى بأن الولد حاد الذكاء - لكنه يعانى من إحدى درجات التوحد، ويحتاج إلى احتكاك مباشر بالأطفال الآخرين، ممن هم بمثل سنه، مع العمل على تطوير قدراته الاتصالية، بجلسات تخاطب وتأهيل، قبل التحاقه بالدراسة، ووالده لا يبالى بتلك البداية المتعثرة، التى آلت إليها حياة ابنه الوحيد، فى ظل انشغاله بحمل زوجته الجديدة، وجدت زوجى يلمح بإمكانية رعايتنا له بدلًا من حماتي، ونقله للعيش معنا كى نعتنى به، فوافقت على الفور دون تردد، وفرح هو لذلك، ودعا لى بكل خير، ثم تحدث مع أخيه، وبالطبع وافق الأخير.. وبعد بضعة أشهر ذاب الطفل فى حناننا، وبدأ نطقه فى التحسن، وكذلك تواصله مع الآخرين.. لكن والدتى أثارت لديَّ مخاوفًا بشأنه، عندما يكبر الولد ويصل لسن البلوغ والمراهقة، والفارق بينه وبين ابنتى عام واحد تقريبًا، كما أن حماتى إذا توفت والأعمار بيد الله، سيظل الوضع كما هو عليه، بحكم تنصل والده من مسئولياته تجاه ابنه، وليس هناك من سيعوله إلا نحن، علمًا بأن زوجى ليس له أشقاء آخرين، هذا بالإضافة لعدم الإجازة الشرعية لاستمرار الطفل بعد بلوغه، ومشاركته حياتنا أنا وابنتى كغرباء عنه، لا أعرف حقًا ماذا أفعل أستاذ أحمد، مع تعلق الطفل بنا يومًا بعد يوم، وتثمين دورى فى تربيته، واحترام الجميع لي، وشعورى بالامتنان لنفسى - لكننى فى نفس الوقت أخشى من المستقبل القريب، وسرعة دوران الأيام وتقلب الأحداث،، صارحت زوجى بما يجول بخاطرى فوافقنى الرأى، واصطدم بالحقيقة التى لم تخطر بباله - لكنه متردد هو الآخر فى إعادة الطفل لجدته، كما أنه يخشى خسارة أخيه، إذا اعترف له بمخاوفه المستقبلية،، فبماذا تنصحنا!؟ 

إمضاء ى. خ

عزيزتى ى. خ تحية طيبة وبعد...

مما لا شك فيه أن عاطفة الأمومة تظل بلا منازع، هى أرقى درجات المشاعر الإنسانية والعطاء الوجدانى على الإطلاق، وفى قصتكِ عبرة جديدة ساقتها الأحداث، لا يجب أن تمر علينا مرور الكرام، ألا وهى حكمة ورحمة الله العلى القدير، فى وهب هذا الطفل اليتيم أمًا حنونة ومخلصة مثلك، تطبب آلامه وتحتوى ضعفه بعد وفاة والدته، وتغيبها عن حياته، وهو فى أمس الحاجة إليها - مع كل ما سبق دعينا نتفق بأن تلك المشاعر النبيلة، يجب أن تبقى داخل إطارها المقبول، من المسئولية الاجتماعية المتبادلة بينكم جميعًا، وبما لا يخدم مصلحة أحد الأطراف على حساب الآخر، بمعنى أن الولد إذا ظل يعيش فى شقتكم حتى يكبر ويصير رجلًا، قد تطالك انتِ وابنتك بعض الأقاويل من هنا ومن هناك، وافتراءات كاذبة ومدمرة لا تستحقوها،، لذا أقترح عليكِ تبنى استراتيجية احتواء مرحلي، لهذا الطفل البرىء، تبدأ من استمراره معكم حتى يتخطى طفولته، وتتحسن قدراته فى التواصل والبناء النفسى السليم، ذلك بمتابعتكم حالته عند طبيب متخصص، وصولًا لتعافيه تمامًا من توحده،، تلك المرحلة أراها مزدوجة العطاء، بها رحمة لضعف الطفل، وكذلك جدته التى لا تقوى هى الأخرى على رعايته بمفرها، فى ظل ظروفها الصحية والاجتماعية.. وقبل اقترابه من سن البلوغ يجب نقل حضانته لوالده أو جدته، إذا كانت على قيد الحياة ليعيش معها بدلًا منكم، لأنه حينها سيكون قادرًا على الاعتناء بنفسه،، ولا ضير فى متابعتكم له من بعيد، حتى يصبح رجلًا يعتمد عليه.. كما أنه من الضرورى وضع النقاط على الحروف مع والده، والتأكيد على عدم استمرار تنصله من مسئوليته الأبوية تجاه نجله، وبأنكم ستساعدونه فى تخطى طفله لأزماته، وتبنى احتوائه لأجل معلوم، يتأسس خلاله دراسيًّا ومعرفيًّا، ثم تعود إليه المسئولية الكاملة تجاهه، وعلى زوجك تذكير شقيقه بأن ابنه مكفولٌ منه بعد وفاة أمه - ولن ينسى جحوده وإهماله، إذا اختار العيش مع زوجته الجديدة وأبنائه منها، وتركه يلاقى مصيره الغامض بمفرده فى الحياة، سواء مع جدته فقط، أو بالشارع الذى ربما يقوده للمجهول، وحينها قد ينقلب عليه، ويعامله بنفس سلاح القسوة الذى استخدمه ضده، قبل أن يصبح رجلًا قادرًا على فهم ما يدور حوله، تلك التفاصيل بالغة الأهمية ليستفيق شقيق زوجك لنفسه، قبل فوات الأوان،، أما بالنسبة لتخوفك من حزن هذا الصغير، عندما تنتزعه مرحلة البلوغ والمراهقة منكم، وإعادته لجدته، هنا أوؤكد لكِ بأنه لا أحد منا ينسى أصحاب الفضل عليه، خصوصًا فى طفولته، بل ستظل عاطفة الأمومة تجاهك تجتاح قلبه وعقله، وسيدرك بأن إقامة حدود الله ودرء الشبهات واتقاء الفتن، هى فقط ما تسببت فى انسحابك الجزئى من حياته.