السبت 13 أبريل 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

كوميديان صاحب هيبة ووقار..امتد أثره الفني على مدار أجيال متتالية

إمام الكوميديا وزعيم مملكة الضحك

ملامح وجه.. تحددت بمرور الزمن خطوط رسمت ونحتت قسماته تاريخ وحضارة وفن.. خبرات شكلتها التجارب والظروف السياسية والاجتماعية المحيطة بالمواطن المصرى، نهلت من منابع أصلية طازجة فى صياغة الضحك وصناعة فن الكوميديا، ليخرج لنا هذا النتاج من الإبداع الإستنثائى، كأنك تتطلع فى خريطة تحمل تضاريسها تاريخا طويلا من صناعة حضارة وإبداع.. إبداع لم يتوقف عند حيز محدد ولم يضيق بنوع من أنواع فنون الأداء بينما توزعت وتناثرت بذوره لتزرع وتمتد جذوره بمنافذ عدة، إن اسعدك الحظ وتجولت بين خطوط ومسارات هذه الخريطة سوف ترشدك كل خطوة تخطوها على طريق جديد ومسار آخر انتهجه من بدايته الأولى بالمسرح ثم فى رحلة خوضه وصعوده ببطولات وأدوار متنوعة بعالم السينما والتليفزيون، احتفى واحتفل المصريون الأسبوع الماضى على مواقع التواصل الاجتماعى بعيد ميلاد الزعيم عادل إمام ..83 عاما من الإبداع، بعبارات حملت مزيجا من الشوق والود والمداعبة، قدم المصريون من فنانين ومثقفين وجمهور تهانيهم للزعيم، الذى لم يحمل لقب الزعامة بالفن هباء ولا على سبيل التملق أو الرياء، بينما حمله عن جدارة واستحقاق لما قدمه هذا الرجل من أعمال على مدار تاريخه الفنى لم تهدف للتسلية والضحك بقدر ما كان هدفها الأسمى التعبير عن المواطن المصرى الكادح صاحب الأحلام البسيطة التى تصطدم بواقع معقد عنيف.



عاصر النجم عادل إمام الأئمة الكبار فى صناعة الكوميديا فقهاء هذا الفن ودراويشه عبد المنعم مدبولى، فؤاد المهندس، حسن مصطفى، شويكار، سهير البابلى وغيرهم الكثير، جيلا كاملا صنع من الضحك مملكة خاصة، هذه المملكة لا يحظى بعضويتها إلا من كان أهلا لها، تولى إمام فيما بعد حراسة وملك هذه المملكة الكبرى التى شبت وتجددت على يديه، تتلمذ على يد أساتذة كبار ورغم مشاركته فى أدوار محدودة هنا وهناك، إلا أنه خاض هذه التجارب بذهن يقظ وشوق متقد للوصول إلى حلم كبير ربما كان يبدو فى وقته بعيد المنال، خلط إمام هذه المدارس المسرحية فى فن صناعة الكوميديا وصنع نفسه، عادل إمام الكوميديان الذى لا يشبه مدبولى أو المهندس بل يشبه الإنسان المصرى فى براءة تجربته الأولى وسذاجة عهده بالحياة، اتحد والتزق حلمه بمعاناة هذا الإنسان الكادح المخلص، البرىء المتهور، المعدم الساعى لتغيير أوضاع إجتماعية طبقية إلى واقع أفضل، صنع عالما خاصا لنفسه بداية من «مدرسة المشاغبين» الشاب المشاغب المتمرد الذى يحركه الإستخفاف والإستهتار من واقع الحياة إلى شاب ساخر من بطش المعلمين بمحاولة السيطرة عليه فى رسم وتحديد مستقبله والتدخل فى تغيير منطق نظرته للحياة، ثم «شاهد ما شفش حاجة» الرجل الساذج البرىء الذى يتورط فى جريمة قتل لا يعلم عنها شيئا عالمه محدود بالأطفال والحيوانات الأليفة لا يرجو من الحياة سوى بساطتها بينما تفاجئه بقسوتها.. يقع فى مأزق كبير وتتوالى شخصية سرحان عبد البصير فى التعرض لأزمات وتصاعد الضحك مع هذه الشخصية الحالمة السارحة فى ملكوت الحياة، ثم «الواد سيد الشغال» و«الزعيم» و«بودى جارد» المواطن المقهور الذى يدخل دائما فى صراع طبقى مع السلطة الحاكمة ورجال المال والأعمال، بإبتسامة دائمة السخرية وعينين قناصتين كالصقر تلتقط ملامح وقلوب البسطاء المخلصين الذين تلبسهم إمام بذهن مبدع يقظ وحساسية فنان أثقلته التجارب وهموم المصريين، صاغ إمام كوميديا حملت مزيج من السخرية والألم، فى أغلب أعماله الفنية رسم لنفسه بروتريه صاحب ملامح مميزة ثاقبة يخترق من أول وهلة قلوب جمهوره ومحبيه، صنع لنفسه هيئة كوميديان جديد تخرج من مدارس متنوعة التوجه والفكر فى صناعة الكوميديا وكذلك الحلم، تعلم داخل هذه المدارس وتشبع بإجادتها واحترامها لشدة الاتقان وتقاليد المسرح، تأثر بريحقها واستخلص منها إبداعه ومدرسته الجديدة التى إعتمدت على ملامح الوجه بالإيماءات والنظرات صنع كوميديا من وحى الشخصيات التى لعبها وافيهات على مواقف تعرضت لها، اشتهر بالكوميديان القادر على الإضحاك بالصمت، تكفى نظرة واحدة منه كى تضج القاعة بالتصفيق والضحك تشبه فى هذا الشأن بالراحل تشارلى شابلن ملك مدرسة كوميديا الحركة والإيماءة والتعبير بالوجه، وبالتالى خلق عادل إمام مع جمهوره علاقة شديدة التلاحم والخصوصية وصنع نجوميته الكبرى من نبض الجماهير الحى بقاعة المسرح فكان نجما فى موقعه، لم يكن بحاجة إلى التوجه للتليفزيون أو السينما رغم ترحيبهما الشديد به كى يتعرف على وجهه الجمهور، بل كان الوجه الذى لا تخطئه عين من قاعات المسارح الممتلئة بضحكات وتنهدات الجماهير من شدة العشق بالسعى وراء حضور أعماله المسرحية، تكفى رؤيته على خشبة المسرح الملاذ والقاعدة الأساسية الذى بنى عليه هذه الريادة والزعامة الفذة. 

حقق عادل إمام مستوى من النجاح والتألق الفنى لم يحظ به زملاؤه من جيله وربما لن تكرر هذه الحالة من الزعامة فى إعتلاء عرش الكوميديا بأجيال قادمة، وحده من حمل لقب «الزعيم» الذى صاغ منه عملا مسرحيا شديد القوة والأثر الفنى ثم لازمه اللقب طوال حياته فيما بعد، ليس بسبب نجاح هذا العمل وحده بل هناك عدة عوامل أسهمت فى وصول هذا الرجل كى يصبح عن جدارة استكمالا لمشوار وتاريخ آئمة الكوميديا الكبار، فهو بحق ظل لسنوات إماما للكوميديا وزعيم لمملكة الضحك التى صنعها لنفسه وأغلق من وراءه باب هذه المملكة ليتولى ملكها وحده لا ينازعه فى ملكه أحد، انفرد إمام بأسلوب خاص فى ممارسة فن الكوميديا التى إعتمدت على تمثيل دورة حياة كل شخصية قدم من خلالها تفاصيله الخاصة فى حركة الجسد وتعبيرات الوجه، اعتمد على الدخول فى قلب الشخصية بالتمثيل والأداء والإفيه اللفظى ثم الإفيه الصامت الذى قد يعلق على المواقف والأحداث بلفتات وحركات ونظرات عينيه تعبير أبلغ من الألفاظ والكلمات بداية من «مدرسة المشاغبين، ثم «شاهد ماشفش حاجة»، «الواد سيد الشغال»، «الزعيم»، «بودى جارد»، لم يكتف بصياغة وسلك طريقه الخاص بفن الكوميديا والمسرح بينما كان له حضورا جماهيريا من نوع آخر حيث صنع ما يعرف بالسياحة المسرحية التى ظلت مستمرة طوال سنوات بقائه على خشبة المسرح، كان العديد من الجمهور العربى من دول الخليج يحجز خصيصا يوما أو يومين لمجرد حضور مسرحياته والتمتع برؤيته على خشبة المسرح حالة استثنائية متفردة فى عنصر الجذب الجماهيرى، فلم يكتف بتحقيق النجومية بين جمهوره المحلى بينما امتد إلى أقطار عربية شقيقة وذهب يتجول بعرض هذه الأعمال الناجحة بين دول عربية مختلفة، وهو ما أسهم فى دوام استمراره سنوات على المسرح لم تقل مدة كل عرض عن ستة أو ثمانية سنوات متواصلة وهو ما لم يحدث فى أعمال مسرحية سابقة أو تالية! للضحك دورة حياة متجددة قد يختلف بإختلاف الأجيال وتطور الزمن وتغير منهج صياغة الإفيهات وصناعة الكوميديا بحسب كل وقت، فقد تتوقف أعمال قديمة عن إضحاك الجماهير لتبدل الأجيال وتغيير شكل الضحك فى أوقات متفرقة، لكن فى أعمال الزعيم أصبحت دورة حياة الضحك متصلة دائمة حتى فى أقدم أعماله المسرحية التى ربما شارك فيها بأدوار ثانوية مثل «أنا وهو وهى»، «أنا فين وأنت فين» من هذه الأدوار البسيطة كان له جاذبية وحضور وقدرة على تقديم كوميديا أمام الراحل فؤاد المهندس، إلى أن وصلت ذروة انطلاقه فى «مدرسة المشاغبين» ليسجل عادل إمام اسمه بين الكبار ويضع ويرسخ أقدامه بمنهجه الجديد فى صناعة الضحك الذى ما زال محتفظا بقوته وامتداد صلاحيته وحيويته رغم تغير الأجيال وتبدل الزمن، على مدار هذه الأجيال وباختلاف الأعمار يظل هذا الرجل قادرا على اضحاك الجميع ورسم البسمة على وجههم من الصغير إلى الكبير،

وبالتالى دورة حياة الضحك معه شابة متجددة مع كل إعادة لعرض هذه المسرحيات الناقدة الساخرة من أوضاع إجتماعية مقلوبة وظالمة، بداية من «مدرسة المشاغبين» ونهاية بآخر أعماله المسرحية «بودى جارد» وإن كانت أقلهم على مستوى الكتابة الفنية إلا أن إمام لم يفقد لحظة بريقه وحضوره المسرحى الاستثنائى، فهو نجم وكوميديان صاحب جاذبية وكاريزما خاصة تطغى وتتولى السيادة على العمل بالكامل، هالة من السحر تحيطه أينما ذهب أو وجد على خشبة المسرح.. كوميديان صاحب هيبة ووقار آخاذ.

شارك عادل إمام مع فرقة المسرح الكوميدى فى بدايته بمسرحيات «أنا وهو وهى» 1962، «قصر الأحلام» 1963، «أنا فين وانت فين؟» 1964، «حالة حب» 1965، ومع فرقة الفنانين المتحدين شارك فى البدايات الأولى بعروض «فردة شمال»، «البيجاما الحمراء»، «سرى جدا جدا»، «حصة قبل النوم»، و«قصة الحى الغربي» ثم انتقل مع نفس الفرقة إلى مرحلة البطولة المطلقة فى «مدرسة المشاغبين»، «شاهد ما شفش حاجة»، «الواد سيد الشغال»،

«الزعيم»، «بودى جارد».. تعاون فى صناعة هذه الأعمال مع كبار المخرجين منهم الفنان عبدالمنعم مدبولى، كمال ياسين، نور الدمرداش، محمود مرسى، سعد أردش، جلال الشرقاوى، فؤاد المهندس، حسين كمال، شريف عرفة، رامى إمام.. «صور فوتوغرافية وتتابع تاريخى لأسماء أعماله المسرحية من أرشيف الدكتور الناقد عمرو دوارة».