«يمين فى أول شمال».. حياة المهمشين فى دراما إنسانية بديعة

هند سلامة
عين تلتقط غير المألوف؛ كاتب دأب الخروج على التقاليد فى كتابته للمسرح؛ همه الأوحد الإنسان العادى البسيط؛ وضعه نصب عينيه فكان بطل معظم أعماله بداية من عروض الهواة وصولًا إلى المحترفين؛ هؤلاء المهمشون المعلقون فى ذيل الحياة لم يستطع محمود جمال الحدينى غض الطرف عنهم؛ رحلة هذا المهمش هى ملهمه الأول؛ يغزلها عادة بمزيج من الصدق والحساسية الشعورية التى تتقلب بين الرضا المغلف بقسوة الحياة والغضب المدفون؛ ثورة مكتومة يعلنها الحدينى على حال هؤلاء؛ يلتقط أدق الشعور والتفاصيل فى شخصياته ليعرضها دون خجل أو مواربة بين جدران قاعة مسرح صغيرة يقدم قصة إنسانية قصيرة؛ جانب من معاناة ثلاثة مهمشين، ممثل مغمور وموظف وزوجته.
«يمين فى أول شمال».. أحدث كتاباته المسرحية بقاعة يوسف إدريس بمسرح السلام؛ يتناول العرض فى شيء من العذوبة والبساطة تشبه حياة أبطاله قصة ممثل مغمور يوقعه القدر فى طريق رجل أو عامل شباك تذاكر يطلق على نفسه اسم «نجم شباك».. زوجته تعشق الفن والممثلين تحيا بينهم فى عالم افتراضى بين حكايات المسلسلات والأفلام حتى أنها حفظت معظمها عن ظهر قلب؛ وبالتالى فهى على دراية بأبطال تلك الأعمال المشهور منهم والمغمور؛ تتعرض هذه الزوجة لمحنة صحية يسعى زوجها عامل التذاكر لإسعادها فيأتى بهذا الممثل الشاب الذى يتصوره من نجوم الصف الأول ليقضى معهما هو وزوجته المريضة ليلة كاملة.
انقلبت قاعة «يوسف إدريس» إلى شقة صغيرة بسيطة يوحى أساسها ببساطة سكانها اهتم مهندس الديكور الموهوب باسم وديع بتفاصيل دقيقة بدءا من الألوان الباهتة للأثاث وورق الحائط الكالح القديم ونهاية بأدوات المطبخ ومساحته الضيقة؛ منزل لم يخل من الدفء والحميمية برغم ما بدا عليه من ضيق عيش أهله والمعاناة فى كسب الرزق؛ لم يفشل هذا الديكور ولو لحظة واحدة فى وضعك بين الأجواء المحيطة بحياة هذين الزوجين.
تبدأ الأحداث بدهشة هذا الممثل المغمور من تصرفات الرجل المفاجأة المبالغ فيها والتى بدأت بحبسه داخل شقتهما المتواضعة حتى يضمن ألا يخرج دون أن تراه الزوجة المريضة التى ستسعد برؤيته؛ لأنه على حد علمه نجم كبير؛ يحاول الممثل إقناع هذا الرجل المسكين بأنه مجرد ممثل صغير لا تتجاوز مساحة ظهوره فى الأعمال الفنية سوى مشهد أو اثنين بينما يصر هو على أنه نجم لامع تأتى الزوجة التى تفاجئه بأنها تعرفه جيدا؛ حيث سبق وأن رأته فى أعمال سابقة؛ وتتوالى الأحداث يندمج هؤلاء الثلاثة فى حالة من الوله والعشق للفن فى مشاهد متتابعة يتقمصون معا أدوارا من أعمال فنية متنوعة مثل «مدرسة المشاغبين»؛ «نادية الجندى فى أى حاجة»؛ «محمود المليجى فى الأرض»؛ «خالد الصاوى فى ظرف طارق»؛ «إسماعيل ياسين والمصباح السحري»؛ «أغنية عينى بترف»؛ «فاتن حمامة فى صراع فى الوادي»؛ «محمود عبد العزيز فى الكيت كات»؛ «الناظر»؛ «محمد صبحى فى وجهة نظر»؛ «حديث الصباح والمساء»؛ وغيرها الكثير.. بعد حالة الصراع والشد والجذب التى تستمر طويلا بينهم بسبب رغبة هذا الممثل فى الخروج حتى يلحق بالعمل الفنى الذى سوف يقول فيه جملة واحدة.. «يمين فى أول شمال»؛ يشعر هذا الممثل بالحيوية بين هذين الزوجين وكأنه وجد بضعة من نفسه بينهما وكأنهما وجه آخر لما يعانيه من نبذ واحتقار فى مجتمع لا يعترف سوى بأنماط معينة من البشر.
وجد كل منهم عزاء فى الآخر؛ هذا التماثل بينهم حرض على ولادة حالة من الود والمشاركة فى نفس الهم ربما؛ شاركهما عن طيب خاطر فى هذا اليوم الاستثنائى فى حياة هذا الرجل وتلك المرأة المريضة؛ حيث تبدلت مشاعره من البغض والضيق إلى الود والشفقة؛ كل هذه المشاعر الإنسانية والبعد النفسى الكبير الذى غلف تلك الشخصيات من حنق وغضب ونقمة على الواقع إلى الحميمية والود والشعور بالرضا رغم الإحباط وضيق الحال.. وأولهم الزوج الذى حاول إسعاد زوجته قدر ما يستطيع فهو لا يملك مالا يسعدها بينما قلبا أحبها بصدق حتى لو لم يجد التعبير عن هذا الحب؛ ثم الممثل الذى يشقى بشعوره الدائم بالدونية بينما نجح هذان الزوجان فى إسعاده منحاه ولو لساعات قليلة ما يستحق من تقدير كان يحلم به أو يتسوله؛ مشاعر حبست بين الصدور وأخرى بالكاد يتمكن أصحابها من الإفصاح عنها؛ بين تلك المشاعر المكبوتة والظاهرة لعب الممثلون بخفة ورشاقة بطولة هذا العمل المسرحى الاستثنائى الذى خلا من المواعظ والحنجورية والميلودراما غير المبررة؛ واستعرض حالات إنسانية ومشاعر تسكن صدور أصحابها فى سلاسة ورفق؛ نجح فى تشريحها وإبرازها المخرج الذكى عبد الله صابر الذى أتقن استغلال كل عناصر العمل وجعلها فى خدمة النص الذى لا يبحث عن دراما تقليدية بينما يبحث فى أعماق النفس البشرية بإيقاع مسرحى رشيق؛ الوجه الآخر من حياة أناس يسعون للاندماج والفوز بالحياة بينما قد تلقى بهم هذه الحياة على قارعة الطريق.. نجح صابر فى وضع يده بدقة على جوهر فكر وهم المؤلف؛ ليقدم دراما إنسانية بديعة فى سهرة قصيرة بقاعة يوسف إدريس؛ شارك فى بطولة العرض أمنية حسن فى دور الزوجة؛ وإيهاب محفوظ فى دور الزوج وطارق راغب عامل «الديلفيري».