الجمعة 29 أغسطس 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

من الطب والهندسة إلى الثراء السريع

«تيك توك» يربك أحلام الشباب

لم يعد الحديث عن وسائل التواصل الاجتماعى مجرد نقاش تقنى حول أدوات العصر الحديث، بل أصبح واقعًا يمس الوعى الجمعى ويكشف أزمة متصاعدة. 



فبينما أدى التطور التكنولوجى وظهور المنصات الرقمية إلى تحقيق عوائد وأرباح ضخمة، برزت إشكالية جديدة تتعلق بكيفية استخدامها، فهناك من يدرك قيمتها فى التعلم والتربح والتواصل، وهناك آخرون يسلكون طريقًا معاكسًا، يفتقرون إلى الوعى والتربية السليمة، فيستغلونها لتحقيق مكاسب تتعارض مع قيم وأخلاق مجتمعنا.

ولعل أفضل تشبيه يوضح هذه الحالة هو السكين، أداة نافعة فى يد الطاهى تقطع اللحم وتيسر الحياة، لكنها فى يد آخر قد تتحول إلى أداة للجريمة. وهكذا أصبحت السوشيال ميديا، وسيلة بين أيدى الناس، يستخدمها البعض فى الخير والمعرفة، بينما يوظفها آخرون فى الاتجاه الخاطئ.

اليوم، لم تعد هذه المنصات مقصورة على تكوين الصداقات أو تبادل المعرفة فحسب، بل تحولت إلى مصدر للرزق وفرص للعمل. البعض التزم القيم واستثمرها بما يفيد، والبعض الآخر اتخذ منها وسيلة للتربح غير المشروع أو الشهرة الرخيصة. 

«روزاليوسف» تفتح هذا الملف وتناقش مع الخبراء كيفية تجنب المشكلات ومواجهتها، وتبحث عن طرق لتوجيه من يرغب فى الاستفادة بشكل رسمى وقانونى من خلال تقديم نصائح حول الدورات التدريبية المناسبة، وفى الوقت نفسه بدأ البعض فى تطوير مهاراتهم من خلال دخول عالم الذكاء الاصطناعى ودراسة المواد التكنولوجية بعمق. أما بالنسبة لأولئك الذين يستغلون هذه التقنيات بشكل سيئ، فإننا نتحدث معهم عن ضرورة إيجاد حلول جذرية لتقنين الوضع الحالى.

غياب المصدر الموثوق للمعلومات

«مفهوم الوعى مرتبط بالإعلام، إذ كانت المعلومات تُستقى من وسائل الإعلام التقليدية ذات الاتجاه الواحد، مما كان يوجه الشباب نحو قضايا معينة، ومع ظهور منصات التواصل الاجتماعى مثل «تيك توك»، أصبح الإعلام أكثر تشتتًا، وأصبحنا نتلقى المعلومات من مصادر متعددة، ما أدى إلى غياب المصدر الموثوق الذى يقدم المعلومات من منظور واحد»، هكذا بدأ  د.جورج لطيف سيدهم، مدرس الإعلام الرقمى بجامعة الجلالة، مضيفاً«المنصات الإعلامية أدت إلى نشر آراء وأفكار أى شخص، مما أسفر عن ظهور محتوى عشوائى يسهم فى تشكيل وعى غير منظم، إذ يمكن لأى شخص مشاركة محتوى غير موثوق على وسائل الإعلام الحديثة مثل منصات التواصل الاجتماعى، ما يحول الوعى من نمط مرتب إلى شكل عشوائي».

يوضح د. جورج أن قيم الأجيال الحديثة فى العصر الرقمى تتغير بشكل كبير مقارنة بالأجيال السابقة نتيجة تعرضهم لأنماط حياة جديدة، مشيرًا إلى أنه فى الماضى كان يُنصح الطلاب بالاجتهاد فى الدراسة ليصبحوا أطباء ومهندسين، أما اليوم فتتركز القيم على تحقيق الشهرة والنجاح بسرعة.

ويرى أن منظومة القيم تأثرت بالتركيز على الماديات، حيث أصبح النجاح مرتبطًا بالمال والمظاهر مثل السيارات الفاخرة، مما يتعارض مع القيم التقليدية. كما أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعى أدى إلى تغيير كبير فى القيم واختلال التوازن فى منظومة القيم.

ويلفت إلى أن الأجيال الجديدة تتبنى قيم الحرية الفردية، حيث يشعر الأفراد أن بإمكانهم فعل ما يشاءون، مضيفًا أن هذا الشعور يعزز المحتوى الذى يتناسب مع اهتماماتهم، مما يؤدى إلى تفكير مستقل بعيدًا عن تأثير العائلة، مواصلًا أن كل شخص يتحمل مسئولية أفعاله، وهو اتجاه شائع بين الأجيال الحديثة نتيجة لتأثرهم بمحيطهم ووسائل التواصل الاجتماعي.

ويستكمل: يسعى الكثيرون للاستقلال عن أسرهم بسبب القيود الناتجة عن القيم الأسرية ورغبتهم فى تجربة أشياء جديدة، خاصة مع تأثير وسائل التواصل الاجتماعى، موضحًا أنه بمرور الوقت يسعى الفرد لتكوين علاقات جديدة أو العيش بمفرده معتقدًا أنه يمكنه التصرف بحرية، لكنه يغفل أن تصرفاته قد تؤثر سلبًا على سمعة أسرته، مواصلًا أن حب المال أصبح قيمة سائدة، حيث يُعتبر النجاح مرتبطًا بامتلاكه، مما يجعل من لا يملك المال يُعتبر فاشلًا. هذه الظاهرة تؤثر سلبًا على النظرة الإنسانية فى مصر، خاصة بين الشباب.

ويستطرد أن وسائل التواصل الاجتماعى تبرز نماذج إيجابية تعكس الواقع، حيث تُظهر إنجازات الناجحين فيها، فهناك فرق بين الناجحين فى السوشيال ميديا وخارجها، إذ تسهم هذه المنصات فى تشكيل جيل رقمى ناجح ينتقل من الصفر إلى القمة. 

ويواصل  مدرس الإعلام الرقمي: «على الرغم من أن بعض النماذج حققت إنجازات خارج وسائل التواصل الاجتماعى، إلا أنها استخدمت الإعلام والتكنولوجيا بطرق متنوعة».

وعندما تنجح هذه النماذج تكتسب شهرة على المنصات، لكن النجاح الحقيقى من وجهة نظر د. جورج يرتبط بالنماذج التى تأتى من خارج هذه الوسائل، حيث تُعتبر وسائل التواصل مجرد وسيلة لإبراز نجاحهم، على سبيل المثال عندما يجرى طبيب عملية جراحية، تبرز وسائل التواصل الاجتماعى أخباره ويصبح ترند، لكنه يختفى تدريجيًا بعد فترة، فى المقابل تظل النماذج السلبية الناجحة على هذه المنصات متواجدة وتحظى بشهرة دائمة، مما يخلق وضعًا مختلفًا.

جيل العالم الافتراضى

أما د. تامر عبدالقادر الأخضر، مدرس البلاغة والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمياط جامعة الأزهر، فيرى أن وسائل التواصل الاجتماعى، وبالأخص تطبيق «تيك توك»، تلعب دورًا كبيرًا وفعّالًا فى تشكيل وعى الشباب، مشيرًا إلى أن ذلك يأتى فى ظل الجيل الرقمى الذى يقضى معظم وقته فى هذا العالم الافتراضى، ويوفر الإنترنت معلومات بسهولة من مصادر متنوعة، مما يساعد الشباب على بناء علاقات اجتماعية تتيح لهم الهروب من واقعهم والضغوط المحيطة بهم فى محاولة لملء فراغهم العاطفي.

يقول أنه فى هذا العالم يتفاعل الشباب مع مجموعة متنوعة من الأشخاص والثقافات، مما يؤثر على جميع جوانب حياتهم الثقافية والاجتماعية، بما فى ذلك القيم والعادات والتقاليد، موضحًا أن هذه التأثيرات تتنوع بين الإيجابية والسلبية، حيث تشمل مجالات التعليم والتعلم، وتوسيع الآفاق، وفهم الأمور واستيعابها، فضلًا عن تعزيز الإبداع والابتكار، والتكيف مع التغيرات التكنولوجية.

ويؤكد أنه على الجانب الآخر، يؤدى الاستخدام المفرط للتكنولوجيا إلى آثار سلبية على الهوية والثقافة واللغة، فضلًا عن انتشار المعلومات الخاطئة والأكاذيب، موضحًا أن من بين أخطر العواقب التى قد يواجهها المجتمع نتيجة الإفراط فى الاستخدام الرقمى دون وعى وتوازن هو تآكل الهوية واللغة والقيم والعادات والتقاليد. مواصلًا أن هذا الجيل يتميز بقدرته السريعة على استيعاب التكنولوجيا، بالإضافة إلى سرعة تواصله مع الآخرين.

اضطرابات نفسية

ويبيّن د. أحمد فخرى، أستاذ علم النفس الإكلينيكى ورئيس قسم العلوم الإنسانية بجامعة عين شمس، أن وسائل التواصل الاجتماعى تحمل إيجابيات وسلبيات، حيث تلعب بعض المنصات دورًا تعليميًا وإرشاديًا من خلال نشر الوعى والمعرفة حول قضايا ثقافية وفنية ورياضية ودينية واجتماعية، مما يحفز الجمهور ويعزز هممهم. وأشار إلى أن هناك تأثيرًا سلبيًا على الوعى يؤدى إلى فهم خاطئ ونماذج سلبية تؤثر سلبًا على المراهقين والشباب.

ويقول: يتجلى ذلك من خلال محتوى يتضمن عبارات وإيماءات وحركات جسدية غير لائقة، علاوة على تقديم المحتوى الرديء والمعلومات المضللة.