التغيرات المناخية.. من التجاهل إلى المواجهة والإيفاء بالالتزامات
علياء أبوشهبة
على مدار ما يقرب من ربع قرن، يشهد الملف البيئى فى مصر تحولات متباينة، تراوحت بين الإهمال النسبى فى بعض المراحل، ومحاولات جادة لإعادة إدماج البيئة فى قلب السياسات العامة، خاصة مع تصاعد المخاطر المناخية عالميًا، فمن تلوث الهواء والمياه وإدارة المخلفات، إلى قضايا التنوع البيولوجى والتغير المناخى، شكّل المسار البيئى فى مصر مرآة للتوازن المعقّد بين متطلبات التنمية والضغوط البيئية المتزايدة.
ومع مطلع عام 2000، دخلت مصر الألفية الجديدة وهى تواجه إرثًا بيئيًا مثقلًا بالمشكلات المزمنة، أبرزها تلوث الهواء فى القاهرة الكبرى، الذى صنّفته تقارير دولية آنذاك من بين الأسوأ عالميًا، إلى جانب تدهور نوعية مياه نهر النيل نتيجة الصرف الصناعى والزراعى والصحى.
ورغم وجود قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994، إلا أن تطبيقه ظل محدودًا، فى ظل ضعف آليات التفتيش البيئى، وغياب الردع الفعلى للمخالفين، وتغليب اعتبارات النمو الصناعى على حساب الصحة العامة، وخلال هذه الفترة، برزت ظاهرة «السحابة السوداء» كرمز سنوى لفشل السياسات البيئية، حيث كانت تحلّ كل خريف دون حلول جذرية.
وشهدت السنوات بين 2005 و2010 توسعًا صناعيًا ملحوظًا، خاصة فى قطاعات الأسمنت والطاقة، ما انعكس على زيادة الانبعاثات الملوِّثة، ومع بداية النقاش حول استخدام الفحم فى الصناعة، تصاعد الجدل بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدنى، التى حذّرت من التأثيرات الصحية الخطيرة، خاصة فى المناطق السكنية المحيطة بالمصانع.
وأدت ثورة يناير 2011، وما تلاها من اضطرابات سياسية واقتصادية إلى تراجع الاهتمام بالملف البيئى، حيث انشغلت الدولة بإدارة الأزمات الأمنية والاقتصادية، وخلال هذه الفترة، تفاقمت مشكلات المخلفات الصلبة، وانتشرت المقالب العشوائية فى المدن والقرى، بينما تعطلت خطط تطوير منظومة النظافة.
مع استقرار الأوضاع السياسية، بدأت الدولة فى إعادة ترتيب أولوياتها، وكان عام 2015 نقطة مفصلية فى المسار البيئى، ففى هذا العام، أُطلقت رؤية مصر 2030، التى وضعت البيئة كأحد محاور التنمية المستدامة، فى محاولة لربط النمو الاقتصادى بالحفاظ على الموارد الطبيعية.
ويُعد ملف المخلفات الصلبة من أكثر الملفات البيئية تعقيدًا فى مصر، خاصة أنه بعد سنوات من الفشل فى الإدارة، بدأت الدولة منذ عام 2018، فى تنفيذ منظومة متكاملة لإدارة المخلفات، شملت إغلاق بعض المقالب العشوائية، وإنشاء مدافن صحية، والتوسع فى مصانع التدوير.
كما شهد ملف التنوع البيولوجى اهتمامًا متزايدًا منذ عام 2018، مع استضافة مصر مؤتمر الأطراف الرابع عشر لاتفاقية التنوع البيولوجى «COP14» فى شرم الشيخ، الذى ركز على دمج قضايا حماية الطبيعة فى خطط التنمية، والترويج لمفهوم الاقتصاد الأخضر.
وفى عام 2020، صدر قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202، الذى يُعد من أهم التشريعات البيئية الحديثة، حيث أدخل مفاهيم جديدة، مثل: المسئولية الممتدة للمنتِج، وإشراك القطاع الخاص، وفرض رسوم على التلوث، ورغم أهمية القانون، لا يزال تطبيقه يواجه تحديات على أرض الواقع، خاصة فى المناطق الريفية.
حتى وقت قريب، كان ملف تغير المناخ يُنظر إليه باعتباره قضية مستقبلية أو دولية، لكن الواقع فرض نفسه سريعًا، فارتفاع درجات الحرارة، ونقص الموارد المائية، وتهديد دلتا النيل بالغرق، جعلت التغير المناخى قضية أمن قومى.
وشهد عام 2022، استضافة مصر مؤتمر المناخ COP27، الحدث البيئى الأهم فى تاريخها، إذ نجح المؤتمر فى تسليط الضوء على قضايا الدول النامية، خاصة الخسائر والأضرار، وأسفر عن قرار تاريخى بإنشاء صندوق دولى لتعويض الدول المتضررة من التغير المناخى.
فى أعقاب COP27، أعلنت مصر عددًا من السياسات، أبرزها: الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050، والتوسع فى الطاقة المتجددة، خاصة فى بنبان وجبل الزيت، فضلًا عن مبادرات لخفض الانبعاثات فى قطاع النقل، وحملات للحد من استخدام البلاستيك أحادى الاستخدام، إلى ذلك، يقول الدكتور جواد الخراز، المدير التنفيذى السابق للمركز الإقليمى للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، فى تصريحاته لجريدة «روزاليوسف»: إن مصر تقدم اليوم واحدة من أكثر الاستراتيجيات طموحًا وواقعية فى مجال الاستعانة بمصادر الطاقة الجديدة والمتجددة فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بحيث إنها حددت هدفًا طموحًا للحصول على 42% من استهلاكها للطاقة الكهربائية من مصادر متجددة بحلول 2035، إلا أننا نسعى لتحقيق هذه النسبة بحلول 2030، إلى جانب الحصول على 60% من مساهمة الطاقة المتجددة فى المزيج بحلول 2040، حسب الاستراتيجية المتكاملة للتنمية المستدامة 2035.
ويضيف: ما يميز النهج المصرى هو التنويع، أى التنوع الحقيقى، حيث لدينا مشروع بنبان للطاقة الشمسية إحدى أكبر محطات الطاقة الشمسية فى العالم، علاوة على مشاريع توليد الطاقة من الرياح تعتبر رائدة فى منطقة خليج السويس والزعفرانة وجبل الزيت والغردقة بإجمالى يتجاوز الآن 5 جيجاوات قيد التنفيذ أو التشغيل، بمعنى أن نسبة منها شغالة وفيه نسبة فى قيد الإنشاء، منوهًا إلى أن المشاريع الجديدة تتسم بأنها صديقة للبيئة، على سبيل المثال يتم إغلاق توربينات توليد الكهرباء فى منطقة خليج السويس فى فترة هجرة الطيور، حيث يمر ما يقرب من 2 مليون طائر سنويًا.










