الثلاثاء 27 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

التحرش بالأطفال «الجريمة الصامتة».. ودور الأسرة حاسم فى الحماية والدعم

التحرش الجنسى بالأطفال «جريمة صامتة»، قد تحدث فى أقرب الدوائر دون أن يملك الطفل القدرة على الفهم أو التعبير، لذلك تصبح مسئولية الأهل أساسية فى التوعية والحماية، من خلال تعليم الطفل الفرق بين اللمسة البريئة واللمسة غير البريئة، وترسيخ حقه فى رفض أى تصرف يسبب له خوفًا أو عدم ارتياح، كما أن الانتباه للتغيرات السلوكية والنفسية لدى الطفل، والتعامل الواعى والداعم عند الاشتباه أو الاكتشاف، يمثل خط الدفاع الأول لحماية الأطفال وضمان سلامتهم النفسية والجسدية.



ويؤكد الدكتور عاصم حجازى، أستاذ علم النفس التربوى بجامعة القاهرة، أن حماية الطفل من التعرض لأى شكل من أشكال الإساءة تُعد مسئولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة، إلا أن الأسرة تتحمل الدور الأكبر فى حماية الأبناء ودعمهم نفسيًا وسلوكيًا، موضحًا أن الأسرة يمكنها القيام بدورها من خلال التوعية التى تتناسب مع المرحلة العمرية للطفل، بحيث تشمل تنبيهه وتدريبه على التفرقة بين اللمسات الجيدة والمقبولة واللمسات المثيرة للريبة، وتعليمه كيفية التصرف فى حال تعرضه لمثل هذه المواقف، مع التأكيد على مفهوم حرمة الجسد واحترام الخصوصية.

ويضيف: أنه من الضرورى تعليم الطفل حدوده الشخصية وحدود الآخرين، وتدريبه على كيفية احترام هذه الحدود، مع التأكيد على حقه الكامل فى رفض أى تجاوز لها، ودعم هذا الحق واحترامه داخل الأسرة، ويضرب مثالًا على ذلك بعدم الضغط على الطفل لتقبيل أحد الأقارب أو معارف الأسرة إذا لم يكن راغبًا فى ذلك، مشددًا على أهمية تدريب الأطفال على تأكيد الذات، والتحلى بالجرأة فى الرفض، وقول «لا» لأى تصرف لا يتفق مع قناعاتهم أو يسبب لهم شعورًا بعدم الارتياح.

كما يؤكد أهمية توعية الأطفال بالحذر من التواجد على انفراد مع أى شخص، وعدم قبول أى تهديد أو ابتزاز من أى نوع، ورفض أى لمسات سرية أو الدخول فى تعاملات سرية مع الآخرين، مهما كانت طبيعة العلاقة، مشيرًا إلى أنه من الإجراءات شديدة الأهمية وجود تواصل جيد ومستمر مع الطفل، يتسم بالود والاحترام والاهتمام، من خلال تشجيعه على الحديث اليومى عما يحدث معه فى المدرسة أو خارجها، والاستماع إليه باهتمام دون توجيه نقد أو لوم، مع التوقف عند أى نقاط مثيرة للريبة واستقصائها بهدوء وحكمة.

ويضيف أن مراقبة نشاط الطفل داخل المدرسة وخارجها، وكذلك متابعة استخدامه للإنترنت وسلوكه الرقمى، من الأمور الأساسية التى تسهم فى الاكتشاف المبكر لأى خلل أو مشكلة، والتعامل معها فى الوقت المناسب، مؤكدًا أن إشعار الطفل بالحب غير المشروط، والاهتمام الحقيقى، ودعم ثقته بنفسه، من العوامل المهمة التى تمنعه من التكتم على أى تجاوز قد يتعرض له، وتدفعه للبوح وطلب المساعدة.

أما عن المؤشرات التى قد تدل على تعرض الطفل لمشكلة، فيوضح أنها تشمل علامات جسدية مثل وجود التهابات أو ألم أو حكة فى المناطق الحساسة، أو ظهور بثور فى الأعضاء التناسلية، أو وجود كدمات أو نزيف، أو معاناة أثناء الجلوس أو المشى بطريقة غير طبيعية، مضيفا: أن هناك علامات نفسية وسلوكية أخرى، من بينها انخفاض مفاجئ فى مستوى التحصيل الدراسى، وإهمال واضح للهوايات والاهتمامات، إلى جانب شرود الذهن، والحزن والكآبة، والعزلة والانطواء، وإهمال المظهر والملبس، واضطرابات النوم، والتبول اللاإرادى، ونوبات الهلع والخوف، والكوابيس المزعجة، والعصبية الشديدة، والعدوانية، والخجل الزائد، والقلق والتوتر والاكتئاب.

ويختتم بالتأكيد على أنه عند ملاحظة هذه العلامات، ينبغى على الأسرة التعامل مع الموقف بهدوء تام، والاستماع باهتمام بالغ لكل ما يقوله الطفل، واستقصاء الحقائق والتعرف على جميع أبعاد المشكلة، مع احتواء الطفل وطمأنته، والتعهد بحمايته واسترداد حقه، وعدم توجيه أى لوم أو انتقاد للطفل، ومساعدته على توصيف ما تعرض له بشكل واضح وصحيح، وتأكيد أنه غير مسئول ولا ذنب له فيما حدث، مع المبادرة باتخاذ الإجراءات المناسبة لحمايته ومحاسبة المتسببين، والاستعانة بالمختصين عند الحاجة.

وتؤكد ريهام أحمد عبدالرحمن، باحثة ماجستير الإرشاد النفسى والتربوى بجامعة القاهرة، أن الدعم الأسرى للطفل المتعرض للتحرش يمثل عنصرًا حاسمًا فى تعافيه النفسى والانفعالى، مشيرة إلى أن هذا الدعم يبدأ بالإنصات الهادئ وتصديق الطفل دون لوم أو سخرية، مع التأكيد الدائم على أن ما حدث ليس خطأه.

وتوضح أن التعاطف الإيجابى واحتواء الطفل، وإبعاده فورًا عن المتحرش مهما كانت درجة القرابة، يعززان شعوره بالأمان والحماية، لافتة إلى أهمية إعادة صياغة التجربة لدى الطفل من خلال توضيح أن هذا السلوك ناتج عن اضطراب المتحرش، ولا ذنب للطفل فيه.

وتشدد على أن الاستقرار النفسى للطفل يتطلب الحفاظ على الهدوء داخل الأسرة، وعدم تداول الواقعة مع الآخرين، مع توجيه رسائل إيجابية مثل: نحن نصدقك، أنت غير مذنب، وسنحميك، مؤكدة ضرورة مراقبة التغيرات السلوكية التى قد تظهر على الطفل، مثل العزلة، الكوابيس، العدوانية، أو تراجع المستوى الدراسى.

وتضيف: أن التعرض للتحرش يستوجب فى كثير من الحالات التدخل النفسى المتخصص لعلاج اضطرابات مثل كرب ما بعد الصدمة، إلى جانب توعية الطفل بمفهوم الخصوصية الجسدية والتمييز بين اللمسات الآمنة وغير الآمنة.

وتختتم بالتأكيد على أن التستر على الواقعة بدافع الخوف يمثل خطرًا حقيقيًا، مشددة على ضرورة اتخاذ الإجراءات القانونية لحماية الطفل ومنع تكرار هذه الجرائم.