الأحد 11 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
قراءة فى الخطاب البصرى فى مصر القديمة

قراءة فى الخطاب البصرى فى مصر القديمة

فى العمارة المصرية القديمة، لم يكن البناء مجرد استجابة وظيفية لحاجات الطقوس أو إنجازاً تقنياً يهدف إلى تشييد هياكل ضخمة تدوم عبر الزمن، بل كان فعلاً مسرحياً واعياً، قائماً على الإخراج البصرى وصناعة المشهد. فقد تحول الموقع المعمارى إلى فضاء درامى محكم، يوجه الرؤية، ويضبط الحركة، ويصوغ الإدراك الجمعى للمتلقى.



وقد أدرك المعمارى المصرى القديم أن العمارة لغة قائمة بذاتها، وأن الكتلة، والمحور، والفراغ، والضوء، ليست عناصر صامتة، بل أدوات خطاب مقصود، موجه إلى الجمهور بمختلف طبقاته، لتؤدى وظيفة قريبة فى جوهرها من وظيفة وسائل الإعلام الجماهيرية فى العصر الحديث.

ومن هذا المنظور، تكتسب إعادة تثبيت التمثالين الضخمين للملك «أمنحتب الثالث» فى موضعهما الأصلى داخل معبده الجنائزى بالبر الغربى فى الأقصر دلالة تتجاوز الإطار الأثرى الضيق. فهى ليست مجرد تصحيح علمى أو إجراء ترميمى، بل استعادة لخطاب معمارى / درامى متكامل. فالمعبد فى بنيته الأصلية لم يصمم ليُشاهد بحياد، بل ليُعاش بوصفه تجربة حسية وفكرية، وليُقرأ باعتباره رسالة سياسية ودينية وفلسفية موجهة إلى كل من يدخل فضاءه، سواء كان كاهناً، أو فرداً من العامة، أو مشاركاً فى موكب طقسى.

ولقد اعتمد المعماريون فى عصر الدولة الحديثة، لا سيما فى المشاريع الكبرى لهذا الملك، على ما يمكن تسميته بالسينوجرافيا المعمارية. فقد وُظفت المحاور الطولية لقيادة النظر نحو نقاط بعينها، واستُخدم التدرج فى الأحجام لإحداث تصاعد درامى يعزز الإحساس بالعظمة، بينما فرضت التماثيل الضخمة بوصفها حضوراً قاهراً يجبر المشاهد على الإحساس بالتواضع. كما نُظمت الفراغات بين المفتوح والمغلق لتنظيم الانتقال الرمزى من العالم الإنسانى إلى المجال المقدس، وكانت التماثيل العملاقة عنصراً محورياً فى هذا الإخراج، تؤدى دور «الواجهة الإعلامية» التى تعلن عن الحضور القوى للدولة. 

وإن إزاحة هذه التماثيل من مواضعها الأصلية لا تعنى فقدان عنصر معمارى فحسب، بل إسقاط فصل كامل من النص الدرامى للموقع. فالمشهد يفقد توازنه، والمحور يفقد دلالته، والرسالة التى صيغت بعناية تنقطع. أما إعادة التثبيت، فهى تعيد تشغيل هذا المسرح الحجري، وتستعيد منطق الرؤية الذى قصده المصممون القدماء، حيث كان المتلقى يُقاد بصرياً ونفسياً نحو إدراك محدد للسلطة، والقداسة، والنظام الكونى.

ومن هنا، لا يُفهم الترميم فى هذا السياق بوصفه حفاظاً على المادة فحسب، بل بوصفه إعادة تقديم للعرض الحضارى. فالالتزام بالتوثيق الدقيق، والتحليل المادى، واحترام السياق الأصلى، هو ما يسمح بإحياء التجربة البصرية والدرامية التى أرادها المصرى القديم، وتتجلّى أهمية هذه الرؤية بوضوح فى إطار دراسات الهوية. فقد استخدمت الدولة المصرية القديمة العمارة كأداة لتشكيل الوعى الجمعي، وترسيخ فكرة الدولة المركزية وثبات النظام الكوني. وكانت المعابد والمواقع الجنائزية منصات إعلامية كبرى تنقل رسائلها عبر المشهد لا عبر النص. وعلى ذلك، فإن إعادة إحياء هذا المشهد اليوم تعنى إعادة تمكيننا من قراءة تلك الرسائل كما صيغت فى الأصل، لا كما شوهها التفكك الزمنى. ولذلك فإن الحفاظ على العمارة المصرية القديمة يجب أن يُفهم بوصفه حفاظاً على الخطاب بقدر ما هو حفاظ على الحجر. فحين يُستعاد المشهد، وتُعاد العلاقات البصرية، وتُحترم نية المصمم القديم، تعود المواقع الأثرية لتؤدى دورها الأصلى كمسارح كونية تنطق بفلسفة الدين، ومنطق الدولة، ومعنى السلطة، وتمنح الهوية المصرية امتدادها البصرى والتاريخى الحى بين الماضى والحاضر.