صفقة الترددات الأكبر
3.5 مليار دولار تعيد رسم خريطة الاتصالات فى مصر
هيثم يونس
فى خطوة تُعد الأضخم والأكثر تأثيرًا منذ نشأة قطاع الاتصالات فى مصر، وقّعت الدولة صفقةً تاريخيةً لإتاحة حيزات ترددية جديدة تعادل فى مجملها ما تم إتاحته من طيف ترددى طوال الثلاثين عامًا الماضية، فى تحرك استراتيجى يعكس رؤية الدولة للتحول الرقمى، ويؤسس لمرحلة جديدة من نمو قطاع الاتصالات باعتباره أحد أعمدة الاقتصاد القومى.
الصفقة، التى تصل قيمتها إلى نحو 3٫5 مليار دولار، استثماراتٍ مباشرةً تضخها شركات المحمول الأربع العاملة بالسوق المصرى، لا تقتصر أهميتها على كونها الأكبر فى تاريخ القطاع، بل تمتد آثارها لتشمل جودة الخدمات، وقوة الشبكات، وتنافسية السوق، والبنية التحتية الرقمية، وصولًا إلى تأثيرها غير المباشر على النمو الاقتصادى وجذب الاستثمارات الأجنبية.
الطيف الترددى هو «الوقود الخفى» لخدمات الاتصالات، وكلما اتسعت مساحته وزادت كفاءته، انعكس ذلك مباشرة على جودة المكالمات، وسرعات الإنترنت، وقدرة الشبكات على استيعاب أعداد أكبر من المستخدمين والتطبيقات الحديثة.
وما يميز الصفقة الحالية هو أنها تضاعف فعليًا حجم الموارد الترددية المتاحة لشركات المحمول، بعد سنوات طويلة من الاعتماد على حيزات محدودة أصبحت غير قادرة على مواكبة الطلب المتزايد، خاصة مع الطفرة الكبيرة فى استخدام البيانات، وانتشار تطبيقات الفيديو، والخدمات الرقمية، وإنترنت الأشياء.
هذه الإتاحة غير المسبوقة للترددات تمثل اعترافًا رسميًا بأن الاتصالات لم تعد قطاعًا خدميًا تقليديًا، بل بنية استراتيجية لا تقل أهميةً عن الطاقة أو النقل.
دفعة قوية لقطاع الاتصالات
توقيع الصفقة يمنح شركات المحمول مساحةً أكبر للتوسع، ليس فقط فى تحسين الخدمات الحالية، ولكن أيضًا فى إطلاق خدماتٍ جديدةٍ تعتمد على سرعاتٍ أعلى وزمن استجابة أقل، وهو ما يفتح الباب أمام تطبيقات الجيل الخامس، والحوسبة السحابية، والمدن الذكية، والخدمات الرقمية المتقدمة.
كما أن زيادة الطيف الترددى تقلل من الضغط على الشبكات، ما يسمح بتغطية أفضل فى المناطق المزدحمة، وتحسين الأداء فى القرى والمناطق النائية، وهو ما يدعم استراتيجية الدولة لتحقيق العدالة الرقمية وتقليص الفجوة بين الريف والحضر.
3٫5 مليار دولار
قيمة الصفقة تمثل تدفقاتٍ دولاريةً مباشرةً إلى الاقتصاد المصرى، وهو ما يعزز الاحتياطى النقدى، ويدعم استقرار سعر الصرف، ويبعث برسالة ثقة قوية للمستثمرين بأن قطاع الاتصالات فى مصر يتمتع ببيئة تنظيمية مستقرة وجاذبة.
لكن الأثر الحقيقى يتجاوز الرقم نفسه، فهذه الاستثمارات ستتبعها إنفاقاتٌ إضافية على تحديث الشبكات، وبناء محطات جديدة، وتوسيع البنية التحتية، ما يخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وينشط سلاسل التوريد المحلية، ويزيد من مساهمة قطاع الاتصالات فى الناتج المحلى الإجمالى.
هل ترفع أسعار خدمات الاتصالات؟
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة، خاصة فى ظل مخاوف المستهلكين من تحميلهم تكلفة الاستثمارات الجديدة. لكن من الناحية الاقتصادية، فإن زيادة الطيف الترددى تقلل التكلفة التشغيلية على المدى المتوسط، لأنها ترفع كفاءة الشبكات وتقلل الحاجة إلى حلول مؤقتة مكلفة.
كما أن شدة المنافسة بين شركات المحمول الأربع، إلى جانب الدور التنظيمى للجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، تمثل عوامل ضغط تمنع تمرير أى زيادات غير مبررة على المستخدمين.
بل على العكس، قد تؤدى الصفقة إلى تحسين القيمة مقابل السعر، عبر تقديم سرعات أعلى وجودة أفضل بنفس التكلفة، أو طرح باقات أكثر مرونةً تلائم أنماط الاستخدام المختلفة.
المحمول والإنترنت الثابت
رغم أن الصفقة ترتبط ظاهريًا بخدمات المحمول، فإن آثارها تمتد إلى المنظومة الرقمية بالكامل.
فشبكات المحمول أصبحت جزءًا لا يتجزأ من دعم الإنترنت الثابت، سواء عبر الربط بين المحطات، أو تقديم حلول الإنترنت اللاسلكى للمناطق التى يصعب مد الألياف الضوئية إليها.
كما أن تعزيز الطيف الترددى يدعم استراتيجية الدولة فى التحول إلى مجتمع رقمى متكامل، حيث تتكامل خدمات المحمول مع الإنترنت الثابت، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، لتقديم تجربة رقمية أكثر كفاءة واستدامة.
ومع دخول هذه الترددات الجديدة حيز التشغيل، ستبدأ مرحلةٌ مختلفة لقطاع الاتصالات، مرحلة تقوم على الجودة لا الكم، وعلى الابتكار لا الاكتفاء، وعلى الاستثمار طويل الأجل فى اقتصاد رقمى قادر على الصمود والنمو.
إنها صفقة تعيد رسم خريطة الاتصالات، وتمهد الطريق لاقتصاد أكثر اتصالًا، وأكثر كفاءة، وأكثر استعدادًا لمتطلبات المستقبل.
ثورة قومية
أوضح د.محمد عزام، استشارى إدارة التكنولوجيا، أن الطيف الترددى الجديد يمثل ثورةً قوميةً وطنيةً حقيقية، فى ظل محدودية الموارد الترددية على مستوى العالم، وهو ما يفرض ضرورة إعادة ترتيب وإعادة تخصيص هذه الموارد بشكل أكثر كفاءة.
وذكر أن الترددات لم تعد موردًا تقنيًا فقط، بل أصبحت أحد أعمدة التنمية الرقمية والاقتصاد المعرفى، خاصةً مع التحول العالمى نحو تقنيات الجيل الخامس.
وأشار عزام إلى أن الطيف الترددى الجديد سيفتح آفاقًا واسعة أمام تشغيل تطبيقات رقمية لم تكن متاحةً من قبل، تتماشى مع متطلبات الجيل الخامس وإنترنت الأشياء، الذى يعتمد على الاتصال اللحظى بين الأجهزة وتحليل البيانات.
وأضاف أن هذه التطبيقات تحتاج إلى سرعات فائقة وزمن استجابة منخفض، وهو ما توفره الترددات الجديدة التى تم إتاحتها، بما يواكب التطورات التكنولوجية المتسارعة.
وأوضح استشارى إدارة التكنولوجيا أن شركات الاتصالات وضعت استراتيجيةً واضحةً للاستثمار فى الطيف الترددى الجديد، حيث ضخت نحو 3٫5 مليار دولار للحصول على هذه الترددات، فى خطوة تعكس إيمانها بأهمية التحول الرقمى والعائد الاقتصادى المتوقع.
وأكد أن هذه الاستثمارات ستتيح سرعات اتصال تعادل نحو 15 ضعف سرعات الأجيال السابقة، ما يمثل نقلةً نوعيةً فى مستوى الخدمات المقدمة للمستخدمين وقطاعات الأعمال.
ولفت عزام إلى أن هذه السرعات الفائقة ستخدم بشكل مباشر التطبيقات الصناعية التى تعتمد على الحصول على البيانات بشكل لحظى، وتحليلها على شبكات عالية الكفاءة، بما يدعم اتخاذ القرار السريع وتحسين الإنتاجية. وأضاف أن هذه الإمكانات ستنعكس على قطاعات حيوية متعددة، من بينها مجالات اللوجستيات، والنقل الذكى، والمدن الذكية، وإدارة المرافق، فضلًا عن التطبيقات الصناعية والزراعية والصحية، التى تعتمد بشكل متزايد على حلول إنترنت الأشياء.
وفيما يتعلق بتسعير الخدمات، أوضح عزام أن الأسعار سيتم تحديدها من خلال شركات الاتصالات بالتنسيق مع الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، مؤكدًا أن الشركات العاملة فى السوق المصرية تُعد من الكيانات الكبرى ذات الخبرة والاحترافية العالية. وأشار إلى أن هذه الشركات ستتجه إلى تقديم أسعار تنافسية لجذب أكبر عدد ممكن من العملاء، خاصة أن طرح أسعار غير مناسبة سيؤدى إلى عزوف المستخدمين عن تبنى الخدمات الجديدة.
وأشار إلى أن السوق بطبيعته يفرض آليات توازنٍ تحفز الشركات على تقديم خدمات فائقة السرعة بأسعار تتناسب مع قدرات المستخدمين، بما يضمن الانتشار الواسع لتقنيات الجيل الخامس وتعظيم الاستفادة منها. واختتم عزام حديثه بالتأكيد على أن احترافية شركات الاتصالات وقدرتها على فهم احتياجات السوق ستمكنها من وضع سياسات تسعير عادلة ومرنة، تتلاءم مع حجم وجودة الخدمات الجديدة، وتسهم فى دعم مسار التحول الرقمى والتنمية الاقتصادية الشاملة.
أكد الدكتور عبد الوهاب غنيم، نائب رئيس الاتحاد العربى للاقتصاد الرقمى، أن توزيع الطيف الترددى يتم على المستوى الدولى من خلال الاتحاد الدولى للاتصالات، الذى يقوم بتخصيص حيزات ترددية لكل دولة وفق مجموعة من المعايير الدقيقة، فى مقدمتها قوة الدولة، وحجمها الاقتصادى، إلى جانب معايير فنية وتنظيمية أخرى.
وأوضح أن لكل دولة طيفًا تردديًا خاصًا بها، يتم تقسيمه داخليًا وفقًا لاحتياجاتها الفعلية، وطبيعة الخدمات المقدمة على أراضيها، سواء خدمات الاتصالات المحمولة أو الإنترنت أو غيرها من الخدمات المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية.
وأشار غنيم إلى أن الطيف الترددى داخل كل دولة يُعاد تنظيمه بما يتوافق مع نوعية الخدمات، التى تتدرج بين خدماتٍ منخفضة ومتوسطة وعالية الكثافة، فضلًا عن خدمات متقدمة ترتبط بتقنيات النانو والتطبيقات التكنولوجية الحديثة، بما يضمن تحقيق أعلى كفاءة ممكنة فى استخدام الموارد الترددية المحدودة.
ولفت نائب رئيس الاتحاد العربى للاقتصاد الرقمى إلى أنه حتى يونيو 2025 كانت خدمات الاتصالات المحمولة والإنترنت تعتمد بشكل أساسى على تقنيات الجيلين الرابع والثالث، إلا أن الإعلان عن إطلاق شبكات الجيل الخامس فرض ضرورة إدخال نطاقات ترددية جديدة، قادرة على استيعاب السرعات العالية المطلوبة لتشغيل التطبيقات الحديثة، وعلى رأسها تطبيقات تحليل البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعى، والتقنيات الرقمية المتقدمة، فضلًا عن التوسعات المتوقعة فى خدمات المستثمرين والقطاعات الاقتصادية المختلفة.
وأكد أن توفير هذه البنية الترددية المتطورة من شأنه أن يضع مصر على الخريطة الرقمية العالمية، ويعزز من قدرتها على جذب كبرى شركات تكنولوجيا المعلومات العالمية، إلى جانب دعم إنشاء مراكز البيانات وصناعة التعهيد، التى تمثل أحد محركات الاقتصاد الرقمى، وأسهمت بالفعل فى تحقيق عوائد تُقدَّر بنحو 9 مليارات دولار.
ضرورة وليس خياراً
وأوضح غنيم أن إدخال طيف ترددى جديد لم يعد خيارًا، بل ضرورة، فى ظل تشبع الترددات الحالية وعدم قدرتها على تلبية الطلب المتزايد على خدمات الإنترنت عالية السرعة.
وأضاف أن القطاعات المصرفية، وبرامج التحول الرقمى فى الحكومة المصرية، ستكون من أبرز المستفيدين من هذه النقلة النوعية، من خلال تحسين كفاءة الشبكات، ورفع جودة الخدمات، وتعزيز الاعتماد على الحلول الرقمية.
كما أشار إلى أن تطوير شبكات الاتصالات سيسهم فى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، وزيادة سعات الشبكات لمواكبة النمو المتسارع فى الطلب على البيانات من قبل الشركات الاستثمارية، إلى جانب تحسين جودة الصوت وخدمات الاتصالات المتكاملة، مع إتاحة الإنترنت فائق السرعة واسع النطاق.
وأكد أن هذه الخطوات ستعزز من مكانة مصر كمركز رقمى محوري فى إفريقيا والشرق الأوسط، خاصة مع ضخ الشركات الأربع الكبرى استثمارات تُقدَّر بنحو 3٫5 مليار دولار، وهو ما سينعكس إيجابًا على الناتج المحلى الإجمالي. وأضاف أن المنافسة بين الشركات العالمية ستؤدى إلى تقديم خدمات فائقة الجودة بأسعار تنافسية، بما يدعم الشركات الاستثمارية التى تضم آلاف العاملين فى قطاع التكنولوجيا، والتى تعتمد بشكل أساسى على سرعات إنترنت فائقة الاعتمادية. ذكر الدكتور محمد البهواشي، الخبير الاقتصادي، أن صفقة الطيف الترددى تمثل استثمارات جديدة تعزز موارد قطاع التكنولوجيا والاتصالات، وتفتح الباب أمام توسعات كبيرة فى خدمات الاتصالات والخدمات الإلكترونية. وأوضح أن الصفقة تُعد منصةً لجذب استثمارات إضافية تحقق طفرةً للاقتصاد القومي، مشيرًا إلى أن قيمتها الإجمالية تُقدَّر بـ3٫5 مليار دولار، ما يعكس أهمية القطاع فى دفع عجلة النمو الرقمى وتعزيز قدرة الدولة على المنافسة عالميًا فى مجال التكنولوجيا الحديثة.









