السبت 27 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

واحة الإبداع

امرأة عند حافة النسيان

قصة قصيرة



كتبها - أشـرف غــازى

كان الصباح مائلًا إلى الصمت، وكأن المدينة لم تستيقظ بعد.

وقفتُ قرب ماكينة الصرف حين لفتت نظرى امرأة خمسينية، ما زال الجمال يطل من ملامحها رغم القلق الذى انعكس فى عينيها. كانت تقبض على نقودها بيدٍ ترتعش، قبل أن تبدأ الدموع بالنزول.. خفيفة أول الأمر، ثم كالسقوط الحرّ.

اقتربت، وقلت:

— «هل حدث ما يزعجك يا سيدتى؟ هل ابتلعت الماكينة بطاقتك؟»

رفعت رأسها ببطء، كأن الالتفات مجهود فوق قدرتها.

قالت بصوت مبحوح:

— «أين أنا؟»

أجبتها بهدوء:

— «أنتِ أمام أحد البنوك فى وسط المدينة.. هل تشعرين بدُوار أو إجهاد؟»

عادت عيناها للارتجاف، ثم قالت:

— « لم أصل من قبل إلى تلك الحالة، أن أفقد مكانى هكذا.. أو نفسى هكذا».

كانت كلماتها تهبط كحجارة صغيرة، كل منها يخلّف ندبة.

قالت وهى تمسح دموعها:

— «لا أعرف لماذا جئت.. ولا أعرف من ينتظرنى.. إن كان أحد ينتظرنى أصلًا»

قلت لها:

— «اسمحى لى أن أبحث فى حقيبتك لعلِّى أجد ما يُرشدنا»

أومأت موافقة.

فتحت الحقيبة بحذر.

وجدت منديلًا مطويًا بعناية.. محفظة قديمة.. وعلبة دواء.

التقطتُ العلبة.. كان العقار مخصصًا لعلاج الزهايمر فى مراحله الأولى.

وضعتُه برفق على المقعد بجانبى، ثم واصلت البحث حتى وجدت بطاقة هويتها.

قرأت الاسم والمهنة: مديرة فى وزارة الثقافة.

الحالة الاجتماعية: أرملة.

العنوان واضح لا يحتاج تأويلًا.

رفعت رأسى وقلت بثقة:

— «اطمئنى.. وجدت عنوانك. سأصحبكِ إلى منزلك الآن».

سارت بجوارى فى صمتٍ مكسور، كأن كل خطوة شهادة على ما يفلت من ذاكرتها.

دخلنا العمارة، صعدنا، ثم فُتح باب الشقة.

كان الفراغ أول ما استقبلنا.

لا أثاثٌ يُعتدّ به.. لا صور على الجدران.. لا أثر لخطوات بشر.

كأن المكان يعيش حدادًا طويلًا على زمن لن يعود.

خشيت أن أسألها عن الماضى.. خشيت أن يكون السؤال خنجرًا جديدًا فى صدرها.

أجلستها على مقعد وحيد بدا كأنه يطلب الصفح عن وحدته.

وضعت بطاقة صغيرة تحمل اسمى ورقم هاتفى فى يدها، وقلت:

— «إذا احتجتِ أى مساعدة.. فأنا قريب، لا تترددى فى الاتصال».

هزّت رأسها بخجلٍ حزين، ثم نظرت إلى الدواء الموضوع أمامها وكأنها ترى عمرها ينساب من بين أصابعها.

غادرتُ نحو المصعد.

وحين انغلق الباب، هجمت علىّ الأسئلة دون هوادة:

كيف بدا هذا البيت فى أيامه الحقيقية؟

هل كان يمتلئ بحضور زوج يبادلها الحديث؟

هل ركض فيه أطفال يومًا.. ثم صاروا كبارًا تركوا خلفهم صمتًا ثقيلًا؟

هل سقطت الصور من الجدران.. أم سقطت أولًا من ذاكرتها؟

وهل جفّت الذاكرة قبل أن يجفّ البيت.. أم أن الاثنين انهارا معًا فى الوقت ذاته؟

عندما وصل المصعد إلى الطابق الأرضى، نظرت إلى انعكاسى فى المرآة.

وكان وجهى غريبًا على للحظة، كأن النسيان لم يعد حكرًا على أحد.

ومضى فى خاطرى سؤال لم أجرؤ على صياغته:

كم واحد منا يسير الآن نحو المصير ذاته دون أن يدرى؟

خرجت إلى الشارع.

وبقى فى صدرى يقين موجع:

أن آخر ما استطاعت تلك السيدة تذكّره..

هو أنها لم تعد تملك شيئًا يُخشى النسيان.

 

اللوحات للفنان

مصطفى عيسى

 

 

فى أعمال  الفنان التشكيلى مصطفى عيسى رمزية الحلم والبيئة المصرية فى صياغة بصرية تحمل أبعاداً فلسفية وجمالية عديدة.

تكشف أعماله عن نزوع دائم نحو التجريب عبر تنوع الخامات والوسائط الفنية، فهو يتنقل برشاقة ما بين التصوير، فن الكتاب، والأسطح الطباعية، وغيرها.

أعماله الفنية تحمل ارتباطًا وثيقًا بالطبيعة وعناصرها كالنخلة وشجر الجميز والهدهد وغيرها كرموز لهوية مصرية أصيلة، أيضًا للوجه والجسد الإنسانى.

جمع بين التعبيرية والتجريدية، وبين الرمز واللون، ليقدّم تجربة متفرّدة فى الفن المصرى والعربي، حيث تتحول لوحاته إلى لغة بصرية فلسفية تدعو المشاهد إلى إعادة التفكير فى علاقة الفن بالحلم، والإنسان بالبيئة، والذاكرة بالهوية.