د.عزة بدر
الأمومة وفن الدنيا
«كل واحد عنده أم يبوس إيديها/ وأما تيجى تنام يغطيها بضفاير روحه ويطبطب عليها».
بهذه الكلمات الدافئة يكتب الشاعر سعيد شحاتة تاريخ الحنان، وسيرة حياة والدته فريدة محمد أبوعامر، التى علمته فن الدنيا، فكتب لها ومن أجلها أحدث دواوينه الشعرية «فريدة.. جدارية أمى اللى باعت عفشها»، والصادر عن سلسلة أصوات أدبية - الهيئة العامة لقصور الثقافة.
الأم المُلهمة منحت الشاعر أسرار فن الدنيا، وألهمته برحيلها ديوانه المبدع فى فن الرثاء.
الديوان مشاهد وصور من حياة أسرة مصرية أصيلة، مكتوب بالعامية المصرية، يتخلله إيقاع الحياة بصخبها، وتقلباتها، بمُرِّها وحلوها، ويتناجى فيه صوتان، صوت الأم «فريدة»، وصوت «سعيد» الشاعر، وأحيانًا أصوات الذكريات الحلوة المبهجة، وأشجان الفقد، الديوان صفحة شعرية مضيئة فى فن العامية الآخذ بالقلوب، بغنائيته ومعانيه العميقة الآسرة.
ومن هذه المشاهد الشعرية التى تلتقط صورة للأسرة المصرية الهانئة بتماسك أفرادها وتحابهم وفيها يقول «سعيد شحاتة»: كل شىء هين.. وكان الضحك خام/ والأمل فى القاعة ملفوف فى الحِرام على ركبة أمى/ وأمى قاعدة/ تقول لأبويا/ العيال حلوين يا أخويا ومستورين.. والمراكب ماشية فوق الموج بتجرى/ كنت أنام والضحكة تتنطط فى حجرى/ كان أبويا يقوم الصبح على البنانى وع الحُمام/ يرمى على الدنيا السلام ويقول: يا ساتر/ هو ليه الشاى فاتر/ هى ليه المية ساقعة/ والدى كان ليه سِنَّة واقعة مجنناه/ بس كان دايما بيضحك للحياة».
ويرسم الشاعر صورة للقيم والمعانى التى ترسخت فى نفوس الأبناء، وحرصت الأم على بثها مع خبز الصباح، حكمة بلون اللبن الصافى فتقول: “ ربنا بيحبنا علشان بُساط ومَسَلمين له الأمر كله/ كنت أروح الغيط وعلى دماغى الغَلَق/ بارمح فى ضلة دايقة صبّار الحنين بس راضية بطعمه والشوك اللى فيه “.
وتصف الأم تاريخ أسرتها وما ورثته عنها من ثروة المعانى فتقول فريدة: «برتقان الغيط مِزهَّر/ والدى كان رايح يقف جنب البلاد/ شد أجزاء روحه ع الأوغاد/ وعاد/ وأمى حاطة النول وقاعدة إيدها بتنمل وتصحى تبص وتقول للى قاعدين على الحصير/ ما تخافوش من ليل ضرير/ ثم تسكت/ بعدها/ تقول للجميع: أيامنا مستورة».
ويصبح النيل مصدرًا للنور يهدى السائرين على درب الحياة، لو خبت من حولهم أضواء المصابيح فتغنى «فريدة»: «يا خَس يا أخضر قلبنا زيّك.. ومن حيك، وفيه ضيك، وشارب مَيتك.. وجميل/ ارمح يا نيل جوانا لما النور يغمِّى عنيه/ ويسيب قلوبنا المخلصة تسأل عليه».
ويصف الشاعر أمه الصامدة فى وجه العواصف والمصاعب والأحداث: «وكأنها آخر ست بتدهس خوفها/ وتجرى على تروس الدنيا وشوكها/ برجلين حافيين/ آخر ست بتحفر للشجر الأخضر جواها مزارع وقناوى/ وأبيار وسكك أنهار/ الشجر القارى تاريخ الدم/ الشارب من أرواح الفقرا الصَبر/ ومن أرواح الصايمين القوة/ ومن أرواح الغايبين الصمت/ ومن أرواح الأشباح الوقفة فى وش الريح».
وهنا تصبح الأم فريدة رمزًا للحياة والأمل، رمزًا للعطاء وللحرية، وفرصة جديدة للأحلام حيث يتطور السرد الشعرى فى جدارية الشاعر ليخلِّد فيها هذه المعانى الثرية فيقول: «أمى مازال ليها فى قلبى سنين أكثر من عمرى/ لسّالها يومين تانيين كاملين/ بُص لنفسك واضحك يا حزين/ ممكن بكرة الجاى/ يفرح بيك/ ويسمِّى عليك/ ويضمك لكشوف العايشين/ ويسميك شجرة توت أو تين/ أو تبقى «فريدة» أم الفرس الجامح/ والقلب الرمّاح، والرجلين الماشيين ع الأسفلت وهو ملهلب صامدين/ علشان يدُوا العصافير حريتهم/ للأحلام فرصة جديدة/ للنور طاقته/ للمزيكا مجال أوسع».
وقد اعتمد السرد الشعرى على صوتين صوت الشاعر، وصوت الأم, فيمكننا أن نستمع لكلمات الأم مفعمة بالعطاء، والشعور العميق بمحبة الآخرين فتقول فريدة: «مافيهاش أزمة/ إنك جاى للعالم تزرع ورد/ وتغطى البرد بروحك/ وتفرَّق ع المحتاج للضىّ شموع/ وإنك هتحاول تمسح أى دموع هتشوفها إلا دموع الفرحة/ هتقيد جمرتها بكل ما فيك/ وإن حد فردلك إيد بالشر/ هتمد إيديك بالحب».
وعن فن الدنيا تقول فريدة بصوتها الذى أغنى النص بالحكمة المُقطرة، والكلمات النابضة بمعانيها.. «الدنيا ماهياش مَنّ الدنيا دى فن لكل العايز يتحول من كائن شبحى لكائن فنان».
ويتوج سعيد شحاتة جداريته بالدعاء للأم: «يا رب.. أمى سقتنى الدنيا بإيديها/ فاسقيها شهد الجنة بكفوف النبى الغالى/ سكنها فى قصورك وهنيها/ واطعمها من فردوسك العالى/ وإن يوم عملت فى دنيتى حسنات/ اكتبها لأمى يا رب طوالى».
وبهذه الكلمات المبدعة يعبِّر شاعرنا عن صورة الأم فى نفوسنا وقلوبنا، وهو الذى يقدم نفسه بقوله: عضو الجمعية العمومية لكوكب الأرض.






