«إيجيبس 2026».. الطاقة فى قلب معركة السلام
سلوى عثمان وأحمد قنديل
فى توقيت بالغ التعقيد، حيث تتداخل خطوط النار مع مسارات الطاقة، وتتشابك المصالح الدولية مع حسابات الأمن القومى، جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال افتتاح مؤتمر ومعرض مصر الدولى للطاقة “إيجبس 2026” لتؤسس لرؤية مصرية متكاملة تتجاوز حدود الحدث الاقتصادى، وتدخل مباشرة إلى عمق المعادلة السياسية الإقليمية والدولية.
المشهد فى “القاهرة” لم يكن مجرد تجمع لقادة الطاقة وصناع القرار، بل كان انعكاسًا لحالة عالمية مضطربة، حيث باتت الطاقة أحد أبرز عناوين الصراع، وأحد أهم مفاتيح الحل فى الوقت ذاته، ومن هذا المنطلق، حمل خطاب “السيسى” أبعادًا متعددة، أبرزها توجيه رسالة مباشرة إلى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى خطوة تعكس إدراكًا دقيقًا لموازين القوة، ومحاولة لإعادة توجيه بوصلة الفعل الدولى نحو احتواء الأزمة بدلًا من إدارتها.
اللافت فى هذه الرسالة أنها لم تأتِ فى إطار دبلوماسى تقليدى، بل اتخذت طابعًا إنسانيًا واضحًا، حيث خاطب الرئيس نظيره الأمريكى من منطلق المسئولية الأخلاقية قبل السياسية، مؤكدًا أن وقف الحرب ليس خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة إنسانية تفرضها تداعيات الصراع على الشعوب والاستقرار العالمى.
هذا الخطاب يعكس تحولًا فى أدوات التأثير، حيث لم تعد اللغة السياسية وحدها كافية، بل باتت الحاجة ملحة لاستدعاء البعد الإنسانى فى مخاطبة القوى الكبرى، وفى الوقت ذاته، لم يكن اختيار منصة “إيجبس 2026” لإطلاق هذه الرسائل أمرًا عابرًا، فالمؤتمر، الذى رسخ مكانته كأحد أبرز التجمعات الدولية فى قطاع الطاقة، جاء هذا العام فى لحظة حرجة، حيث تتعرض أسواق الطاقة العالمية لضغوط غير مسبوقة، وهنا، برزت رؤية مصر التى تربط بشكل مباشر بين استقرار الطاقة ووقف الصراعات، إذ أوضح الرئيس أن أى اضطراب فى هذا القطاع لا يمكن معالجته سريعًا، بل يحتاج لسنوات لاستعادة التوازن، ما يعنى أن استمرار الحرب سيُبقى العالم رهينة لأزمات ممتدة.
هذا الربط بين الطاقة والسياسة لم يكن طرحًا نظريًا، بل عكس فهمًا عميقًا لطبيعة المرحلة، حيث لم تعد الحروب تُقاس فقط بنتائجها العسكرية، بل بتداعياتها الاقتصادية، التى قد تكون أكثر تأثيرًا وأطول أمدًا، ومن هنا، جاء تحذير الرئيس من أن العالم يواجه صدمة مزدوجة، تبدأ بنقص الإمدادات ولا تنتهى عند حدود ارتفاع الأسعار، بل تمتد لتهديد الأمن الغذائى، خاصة فى الدول النامية التى تعانى من هشاشة اقتصادية متزايدة.
فى هذا السياق، تبرز مصر كطرف يسعى إلى لعب دور يتجاوز حدودها الجغرافية، حيث تتحرك كوسيط سياسى وشريك اقتصادى فى آن واحد، فالقاهرة لا تكتفى بالدعوة لوقف الحرب، بل تعمل على بناء شبكة من المصالح المشتركة، سواء من خلال تعزيز التعاون مع دول مثل قبرص، أو عبر توسيع شراكاتها مع الاتحاد الأوروبى، بما يسهم فى خلق بيئة إقليمية أقل قابلية للانفجار.
كما أن الرسائل التى حملها الخطاب الرئاسى لم تقتصر على القوى الكبرى، بل امتدت لتشمل الشركات العالمية العاملة فى قطاع الطاقة، حيث دعاها الرئيس السيسى لتكثيف جهودها وزيادة الإنتاج، بما فى ذلك فى مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة، فى محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة الحالية، وهذه الدعوة تعكس إدراكًا بأن القطاع الخاص أصبح شريكًا أساسيًا فى إدارة الأزمات العالمية، وليس مجرد متلقٍ لتداعياتها.
وفى خلفية هذا المشهد، تظهر الجهود المصرية لاحتواء التصعيد الإقليمى، والتى تتسم بالتوازن بين التحرك السياسى والاقتصادى، فمصر التى تدعم بقوة مسار الحلول السياسية، تدرك فى الوقت ذاته أن تحقيق السلام يتطلب أيضًا معالجة الأبعاد الاقتصادية للأزمات، وهو ما يفسر حرصها على استقرار سوق الطاقة، وضمان تدفق الاستثمارات، والحفاظ على ثقة الشركاء الدوليين.
الأهم فى هذا الطرح أنه يعكس تحولًا فى الدور المصرى، من مجرد طرف يسعى للحفاظ على استقراره الداخلى، إلى لاعب إقليمى ودولى يشارك فى صياغة قواعد التوازن، وهذا الدور يكتسب أهمية خاصة فى ظل غياب حلول واضحة للأزمات الراهنة، وتراجع قدرة بعض القوى الدولية على فرض رؤيتها بشكل منفرد.
وفى هذا الإطار، يمكن قراءة رسالة “السيسى” إلى “ترامب” باعتبارها محاولة لإعادة تفعيل الدور الأمريكى فى إدارة الأزمة، لكن وفق مقاربة مختلفة، تقوم على إنهاء الصراع بدلًا من احتوائه، وعلى تحقيق الاستقرار بدلًا من إدارة التوتر، وهى رسالة تحمل فى طياتها دعوة ضمنية لتحمل المسئولية التاريخية، فى لحظة قد تكون فاصلة فى مسار المنطقة.
فى النهاية، تكشف مشاركة مصر فى “إيجبس 2026” عن رؤية متكاملة تقوم على أن الطاقة ليست مجرد مورد اقتصادى، بل أداة استراتيجية يمكن توظيفها لتحقيق الاستقرار، وأن السلام لم يعد خيارًا سياسيًا مؤجلًا، بل ضرورة ملحة لتجنب انهيار أوسع.
وبينما تتسارع الأحداث فى منطقة الشرق الأوسط، وتزداد تعقيدات المشهد الدولى، تطرح مصر نموذجًا قائمًا على الربط بين السياسة والاقتصاد، وبين الأمن والطاقة، فى محاولة لصياغة مسار بديل يجنّب المنطقة والعالم كلفة الانفجار الشامل.
وفى سياق متصل، استقبل الرئيس عبدالفتاح السيسى، جون كريستمان الرئيس التنفيذى لشركة أباتشى، وذلك لمتابعة أنشطة الشركة فى مصر وخططها المستقبلية للتوسع فى مجالات البحث والاستكشاف وإنتاج البترول والغاز، حيث رحب الرئيس بوفد الشركة، مشيدًا بالعلاقات التاريخية الممتدة مع قطاع البترول المصرى، ومؤكدًا أهمية استمرار الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين.
الرئيس، أكد حرص الدولة على تذليل أى تحديات قد تواجه أعمال الشركة، والعمل على تحقيق أقصى استفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة، خاصة فى ظل خطط التوسع الطموحة التى تنفذها الشركة، إلى جانب جهودها فى تحسين كفاءة الحقول القائمة بمناطق الصحراء الغربية.
واختتم اللقاء بتأكيد الرئيس على تطلع مصر لاستمرار نمو استثمارات الشركة وتوسعها فى مناطق جديدة، فى ظل ما تمتلكه البلاد من فرص واعدة لتحقيق اكتشافات إضافية، مع التزام الدولة بسداد مستحقات الشركاء الأجانب فى قطاعى البترول والغاز خلال الفترة المقبلة، بما يعزز الثقة فى بيئة الاستثمار ويدعم استدامة التعاون مع كبرى الشركات العالمية.
وكان المؤتمر قد شهد توقيع اتفاق إطارى مهم بين مصر وقبرص بحضور الرئيس القبرصى نيكوس كريستودوليدس، يستهدف نقل الغاز القبرصى إلى مصر وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية المصرية.
ويشمل الاتفاق: ربط حقل «أفروديت» بقناة نقل إلى مصر بطول 280 كم، والاستفادة من محطات الإسالة فى إدكو ودمياط، ودعم تصدير الغاز للأسواق الأوروبية.
كما يُعد الاتفاق خطوة استراتيجية لتعزيز أمن الطاقة الإقليمى وترسيخ دور مصر كمحور رئيسى فى شرق المتوسط.
البحر الأحمر على خريطة الاستثمارات
ومن ضمن تحركات الدولة لتوسيع رقعة الاستكشاف، تم توقيع اتفاقيات جديدة مع شركات عالمية، أبرزها:
- اتفاق مع شركة «بى بى» للاستكشاف فى القطاع (6) بالبحر الأحمر.
- مذكرة تفاهم مع شركة SLB لإجراء مسح سيزمى متطور.
وتهدف هذه التحركات إلى فتح آفاق جديدة أمام الاستثمارات فى مناطق واعدة غير مستغلة.
شراكات دولية ورسائل ثقة من أوروبا والخليج
أكد جاسم البديوى، أمين عام مجلس التعاون الخليجى، تطلع دول الخليج لتعزيز التعاون مع مصر، مع طرح تنظيم مؤتمر مصرى - خليجى للطاقة فى 2027.
فيما شددت ديتى يورجنسن على أن مصر تمثل شريكًا استراتيجيًا مهمًا لأوروبا فى تأمين إمدادات الطاقة، خاصة فى ظل التحديات العالمية.
ومن جانبه، أعلن جون كريسمان ضخ استثمارات جديدة فى مصر، مؤكدًا ثقة الشركات العالمية فى السوق المصرية.
الغاز القبرصى إلى مصر
كشف الجانب القبرصى عن خطط لتصدير أولى شحنات الغاز إلى مصر بحلول عام 2028 من حقل «كرونوس»، ضمن احتياطيات تقدر بنحو 20 تريليون قدم مكعب، ما يعزز التكامل الإقليمى فى قطاع الغاز.






