عصام عبد الجواد
حفظ القرآن الإلكترونى
فى الآونة الأخيرة شهدت مصر طفرة كبيرة فى عمليات حفظ وتجويد وترتيل القرآن الكريم فى مختلف الأجيال وهى ظاهرة صحية بكل المقاييس خاصة بعد اهتمام وسائل الإعلام بحفظة القرآن الكريم وتنظيم مسابقات ضخمة يتم رصد جوائز مالية كبيرة لها وكان أهم برامج هذه المسابقات برنامج دولة التلاوة الذى ذاع سيطه وانتشر فى جميع الدول العربية والإسلامية وكذلك المسابقة العالمية التى ينظمها الأزهر الشريف تحت إشراف كامل لشيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب مما جعل مصر قبلة لحفظة القرآن الكريم فى العالم وجعلها تتصدر جميع الدول العربية فى عدد حافظى كتاب الله خاصة أن مصر تتميز بتنوع مدارس الحفظ التى يفضلها المستمعون من كل أنحاء العالم لما يتميز به القارئ المصرى من طول النفس واتقانه للقراءات السبع ودراسته للمقامات الموسيقية على أيدى أساتذة متخصصين فى كل الفروع مما يجعل حافظى كتاب الله من المصريين لهم أسلوب وطريقة مميزة عن غيرهم ممن يتلون القرآن فى أى مكان فى العالم لكن فى الحقيقة فقد شهدت الآونة الأخيرة تحولًا ملحوظًا مع دخول الوسائل التكنولوجية الحديثة وتقنيات الذكاء الاصطناعى إلى مجال الحفظ حيث انتشرت تطبيقات ومنصات رقمية تعد بسرعة الحفظ وسهولة التثبيت مما أتاح لبعض الدارسين حفظ كميات كبيرة من القرآن فى فترات زمنية قصيرة جدًا بالمقارنة بعمليات الحفظ التقليدية غير أن هذا الواقع الجديد يطرح الكثير من التساؤلات حول عمق ما يحصله الطالب ومدى إدراكه لما يحفظه من معانٍ للقرآن الكريم ومقاصد الآيات.
فكثير من هذه الوسائل تركز على عدد مرات التكرار وسرعة الحفظ ومن أهم ما فعلته هذه الطريقة أنها استطاعت وبشكل تدريجى الاستغناء عن الشيخ أو المحفظ للقرآن الكريم واستبداله بالشيخ الالكترونى والاكتفاء عبر التلقى عبر الشاشة والتطبيق وهو ما يمثل إلغاء لمنهج تعليمى أصيل اعتمدته الأمة الإسلامية لأكثر من 1400 عام عبر تاريخها الطويل حيث كان التلقى المباشر أساس حفظ القرآن الكريم وصيغته وإتقانه حتى إننا وجدنا فى الآونة الأخيرة سباقًا محمومًا مع أولياء الأمور لحفظ القرآن الكريم لأطفالهم فى سن صغيرة لدرجة أن هناك أطفالًا أعمارهم لا تتعدى الخمس أو ست سنوات يحفظون القرآن الكريم كاملًا عن طريق هذه التطبيقات وهم يرددونه كأنهم آلة تسجيل ورغم أن البعض منهم يجيد أحاكمه ورؤيته لكنه بالطبع لا يجيد معرفة معانيه مما قد يحول حفظ القرآن الكريم لديهم إلى نص عادٍ يتم حفظه بدلًا من أن يكون مصدرًا للقيم والهيبة والتعظيم ومع مرور الوقت قد ينشأ جيل يتقن الحفظ اللفظى لكنهم يفقد الغاية الحقيقية التى تقوم على الفهم والتأمل والعمل به وبما يحتويه القرآن الكريم من هداية وتعاليم سمحة، لدرجة أننا جعلنا الكثيرين من الكبار والصغار يتهافتون على حفظ القرآن الكريم بشكل سريع عن طريق هذه التطبيقات بينما يتراجع الاهتمام بالفهم والتدبر، الأمر الذى قد ينتج عنه عدد من الحافظين لكتاب الله يجيدون التلاوة اللفظية لكنهم لا يجيدون معرفة معانى الكلمات وتفسير الآيات ودورها فى التأثير الإيجابى على السلوك والأخلاق وقد يجيد شخص حفظ كتاب الله كاملًا لكنه غير متأثر بمعانيه لذلك لن يعمل به فى الواقع الذى يعيشه مما يجعله كأنه لم يفعل شيئًا.
ولذلك هناك دور مهم جدًا للأزهر الشريف ونقابة قراء القرآن الكريم وجميع الهيئات المهتمة بكتاب الله أن تنبه لهذه الطريقة التى فى ظاهرها جيدة جدًا لكن باطنها يقول إنها تحتاج إلى مراجع وتنبه على أصحابها حتى لا يقعوا فريسة التحول إلى آلة تردد ما حفظته دون النظر إلى المعانى الحقيقية للقرآن الكريم وحتى يعلم الجميع أن القرآن الكريم لم يُنزل ليُحفظ حفظًا ولكن لنتدبر معانيه ونعمل به فى جميع شئون حياتنا.
حفظ الله مصر قيادة وشعبًا وجيشًا..






