السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

مستودعات البترول ومحطات الإسالة.. «أمن قومى» يتجاوز حدود «التخزين»

لم تكن أزمة الطاقة التى ضربت العالم، بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، مجرد اختبار عابر للاقتصاد المصري، بل كانت لحظة فاصلة أعادت تشكيل خريطة الطاقة فى المنطقة، فبينما عانت دول عديدة من نقص الإمدادات، تحركت مصر بسرعة لتحويل الأزمة إلى فرصة، مستفيدة من بنية تحتية ضخمة فى تخزين البترول وإسالة الغاز، لتتحول تدريجيًا إلى مركز إقليمى لتداول الطاقة.



فى قلب هذه التحولات، برزت مستودعات ومخازن البترول كإحدى أهم أدوات الدولة لضمان الأمن الطاقي، فقد تبنت الحكومة استراتيجية واضحة تقوم على إنشاء وتطوير مخازن استراتيجية قادرة على استيعاب ملايين البراميل من الخام والمنتجات البترولية، بما يضمن استقرار الإمدادات فى أوقات الأزمات، فلم تكن هذه المستودعات مجرد خزانات تقليدية، بل منظومة متكاملة تعتمد على أحدث نظم التشغيل والتأمين، موزعة جغرافيًا بالقرب من الموانئ ومناطق الاستهلاك، لتقليل تكاليف النقل وتعزيز سرعة الإمداد.

ويرى خبراء الطاقة، أن هذه السياسة ساهمت فى حماية السوق المحلية من تقلبات الأسعار العالمية، حيث وفرت مخزونًا استراتيجيًا يسمح للدولة بالتدخل عند الحاجة، مؤكدين أن وجود هذه السعات التخزينية الكبيرة منح مصر ميزة تنافسية، خاصة مع تزايد الطلب الإقليمى على خدمات التخزين وإعادة التوزيع، لكن التحول الحقيقى لم يتوقف عند التخزين فقط، بل امتد إلى قطاع الغاز الطبيعي، الذى أصبح الورقة الرابحة لمصر فى معادلة الطاقة العالمية، حيث نجحت فى تطوير محطات إسالة الغاز، وهى تكنولوجيا متقدمة تتيح تحويل الغاز إلى سائل لتسهيل نقله وتصديره عبر السفن، خاصة أن مصر تُعد الدولة الوحيدة فى شرق المتوسط التى تمتلك محطات إسالة غاز طبيعي، وهو ما منحها موقعًا استراتيجيًا فريدًا. 

محطتا إدكو ودمياط

فى مقدمة هذه المحطات، تأتى محطة إدكو، التى تُعد واحدة من أكبر مشروعات إسالة الغاز فى المنطقة، بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 7.2 مليون طن سنويًا، من خلال خطين للإنتاج، كما تضم خزانات عملاقة لتخزين الغاز المسال قبل شحنه، تصل سعة كل منها إلى نحو 140 ألف متر مكعب. 

كما تلعب محطة دمياط دورًا محوريًا، حيث تصل قدرتها الإنتاجية إلى نحو 5.2 مليون طن سنويًا، وقد عادت للعمل بقوة بعد توقف دام سنوات، لتسجل أرقامًا قياسية فى التصدير، خاصة إلى الأسواق الأوروبية.

وتشير البيانات إلى أن أكثر من %60 من صادرات الغاز المسال من محطة دمياط تتجه إلى أوروبا، وهو ما يعكس أهمية مصر كمصدر بديل للطاقة فى ظل الأزمات الدولية. 

من جانبها، أكدت وزارة البترول والثروة المعدنية، أن هذا التميز فى البنية التحتية لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة استثمارات ضخمة وشراكات دولية مع كبرى شركات الطاقة العالمية، ما ساهم فى نقل التكنولوجيا وتطوير الكوادر المصرية، خاصة أن امتلاك مصر لهذه المحطات يمنحها القدرة ليس فقط على تصدير الغاز المحلي، بل أيضًا استقبال غاز من دول أخرى وإعادة تصديره بعد إسالته، وهو ما يعزز مكانتها كمركز إقليمى للطاقة، علاوة على أن استغلال محطات الإسالة بمرونة– سواء فى التصدير أو إعادة التغويز– يمثل «استغلالًا مثاليًا للبنية التحتية» ويعزز قدرة الدولة على التكيف مع تغيرات السوق العالمية.

بينما ساهمت الاكتشافات الكبرى للغاز، وعلى رأسها حقل «ظُهر»، فى توفير إمدادات كافية لتشغيل هذه المحطات بكفاءة، بعد سنوات من التحديات التى شهدت تراجع الإنتاج وزيادة الاستهلاك المحلي.

ومع تكامل منظومة التخزين والإسالة، أصبحت مصر تمتلك سلسلة قيمة متكاملة فى قطاع الطاقة من الإنتاج، إلى التخزين، ثم المعالجة والتصدير، ما منحها قدرة تنافسية عالية، وجعلها نقطة جذب للاستثمارات الأجنبية فى قطاع البترول والغاز.

ومن الإنجازات التى تضاف لقطاع الطاقة، تحقيق كشف مهم للغاز الطبيعى فى البحر المتوسط بواسطة شركة إينى الإيطالية، حيث نجحت شركة بترول بلاعيم «بتروبل» فى حفر البئر الاستكشافية «دينيس غرب1» بمنطقة دينيس البحرية قبالة سواحل  بورسعيد، إذ أظهرت التسجيلات الكهربية وجود طبقات حاملة للغاز، وتقديرات تشير إلى احتياطيات قدرها 2 تريليون قدم مكعب و 130 مليون برميل متكثفات بترولية.