د.عزة بدر
نهر من شعر على شاطئ الحكاية
أتذكر أنه عندما جاء الشاعر الكبير أدونيس فى إحدى زياراته للقاهرة، ومشاركته فى ندوة شعرية، آثر وهو رمز من رموز قصيدة النثر والحداثة، أن يُلقى قصيدة تحتشد بالموسيقى، قصيدة تفعيلية رائقة توَّجها بقوله: «أشتهى أن أغنى»، وكأنه يبرر هذه الإطلالة الشعرية بقصيدة غنائية.
أما نزار قبانى فقد وصف حالة موسيقية كانت تستولى عليه، وتدفعه فى أكثر الأحيان إلى أن يغنى شعره بصوت عالٍ، كما كان يفعل الشاعر الإسبانى لوركا، فيقول: «كانت حروف الأبجدية تمتد أمامى كالأوتار، والكلمات تتموج حدائق من الإيقاعات، وكنت أجلس أمام أوراقى كما يجلس العازف أمام البيانو، أفكر بالنغم قبل أن أفكر بالكلمات».
كانت تلاحقه باستمرار مقولة لڤاليرى: «الموسيقى لا شىء غير الموسيقى»، لكن نزار استطاع أن يخرج من حدائقه الغنائية إلى أشكال أخرى للقصيدة، فاستخدم لغة الدراما، والحوار المسرحى فى بعض قصائده، بل استخدم لغة الريبورتاج الصحفى فى قصائد أخرى.
خايلتنى هذه الأفكار حول شكل ومضمون القصيدة الحديثة، وأنا أقرأ ديوان: «نهر من سفرجل» للشاعر جمال الدين عبدالعظيم، وهو الديوان الصادر عن دار قبس للنشر والتوزيع عام 2026، لتتجدد أسئلتى عن مزج الغنائية فى القصيدة بالتجديد فيها، وفى إطلالة على هذا الديوان أحببت تلك المتوالية الشعرية التى تتبدى فى بعض القصائد، وكأنه أفاد من فكرة المتوالية القصصية التى بمقدورها أن تكون جزءًا من البنية الكلية للرواية مثلًا، بينما تصبح هذه البنى الصغيرة قصصًا قصيرة، كل بمعزل عن الأخرى.
وأجد أكثر من متوالية شعرية فى هذا الديوان مثل قوله فى قصيدة «ما أتحفنى به الأسلاف».
سألتها: أى شىء بديع لديك؟
تمنين به علىّ
فأنا أركض فى عُزلة الأسلاف
واللائى فتّن الروح
هربن فى سفر بعيد
فقالت: وأنا إحدى هؤلاء.
هذه قصيدة مكتملة فى حد ذاتها لكنها جزء من القصيدة الطويلة «ما أتحفنى به الأسلاف»، كذلك فى قصيدة «غربة تبحث عن شبهى» نجد قصيدة عن الغربة مكتملة ومكثفة رغم أنها بنية صغيرة من بنى النص الأصلى ويقول فيها الشاعر: «غربة ليتها تنتهى/ بغصنك الصبى/ جرحك الموّله/ سجدت وابتهلت للإله باكيًا/ لتنتهى بنابها العقور/ صفوها الشائه/ إن كان ليلها شذى يضمنى/ فنهرها كارهى».
ومن ملامح الإفادة من فن القصة القصيرة فى هذا الديوان قصيدة: «كان البستان لنا» فهى قصيدة مكتوبة بروح الحكاية فيبدأ الشاعر من تفاصيل المكان، ثم يذكر ما ارتبط به من مشاعر وأحداث، مازجًا بين الغنائية والصور الشعرية فيقول: «يا لك من ظل فتّان/ كم صَلّت فيه فراشات حبيبى/ قد كان حبيب لى/ فى هذا البستان/ مُقَلٌ نبع، لغة إكسير/ شفة من توت/ رمان بركان»، ثم يصف ما ارتبط بالبستان كمكان بما حدث فيه، وبما يرمز إليه من عاطفة هزّت وجدانه فيستدعيها: «كان البستان لنا/ موئل روحينا جسدينا/ نتدانى فى غير أوان/ نتفانى قُبلًا باعثة للروح/ مُهلكة للأبدان، كان حبيب لى/ فى هذا البستان».
وبطريقة من طرق السرد يصف الشاعر الشخصية الرئيسية، شخصية الحبيبة شعر فيعتنى برسم تفاصيلها فيقول: «كان خجولًا إذ يضحك/ وجميلًا إن يمشى بين الناس/ وجميلًا إن أغمض عينيه مخافة برق أو رعد/ وجميلًا إن هيأ فى البستان أريكته/ وجميلًا إن سَبَّ رياحًا متربة/ لم تدع جلالة عينيه/ وعنيدًا همجيًا/ إن تكذب منى العينان/ كان حبيب لى/ فى هذا البستان».
ثم تتوالى مشاهد البستان: «بستان فتّان/ كم عشت زمانًا/ أعدو فى جنات عناقيده/ ما ضّنَّ علىّ حبيب فيه/ أنهب من ثنيته ماء التوت/ رحيق الرمان/ كان حبيب لى فى هذا البُستان».
وبعد هذه الصور المرئية للمكان- العاطفة والحركة- يأتى المشهد الأخير ليرسم خاتمة الحكاية: زوال مظاهر الفرح، واختفاء الحبيبة أو رحيلها، وبقاء البستان على حاله فيقول: «واليوم أعود إليه/ أتلمس أنفاس حبيبى/ آثار خطاه أتلمس روحًا كالطير تسبح/ فى يخضور الأغصان/ لا شىء سوى أصداء الموت/ غاض النبع/ وغابت كل فراشات حبيبى/ لكن دام البستان».
وهنا نلاحظ رصده لملامح المكان وارتباطها بالانتقال الزمنى «غاض النبع/ وغابت كل فراشات حبيبى».
أما قصيدة الديوان «نهر من سفرجل» تُعزز فكرة بحث الشاعر عن المكان الذى كان روضة للغزلان فيتساءل هل كان حديقة من حنّاء أم نهرا من سفرجل، وهل قصة الحب لا زالت تعيش فى قلب المحبوبة؟ فيراها لا تزال تُقدسها، وتراها أجمل وأبهى ما حدث فى حياتها، وهنا تتجلى صورة الحب بنورانيته، «قلت: هل يشبه حبنا زهد الحلاج؟ أو عشق ابن عربى؟/ فأرسلت قُبلتها للنجوم وقالت: بل أبهى وأجّل».
وعلى طريقته يذهب الشاعر خلال القصيدة مذهب الحكمة بالاعتماد على وحدة البيت الشعرى داخل القصيدة، والتى هى فى الوقت نفسه جزء من المعمار الكُلى للقصيدة فيقول: «ثبت وصاياك/ يوم صفك باد فى الأفق/ نحو قبو الغيب لا تعجل».
وكأنه رغم بناء قصيدته الحديثة يشتاق إلى تراث الأجداد فى استعادة وحدة البيت حتى لو كان داخل بنيان القصيدة، ومع ذلك يظهر الحوار كتقنية حديثة تعطى القصيدة بعدها الزمنى المعاصر فيقول الشاعر: «من يفصل الروحين والجسدين؟/ قالت: حين فناء وحنين أجل، إذن ليس لنا إلا الرحيل/ فى زمان المجاز/ لنسبح فى نهر من سفرجل».
إذن فزمان المجاز هو زمان الشعر والسباحة فى نهر من تفاح لُذّ وطاب للعاشقين زمانًا، ثم لم يعد أمامهما سوى العيش فى زمن الخيال، واستعادة هذه اللحظات الجميلة التى كانت كل العمر.
ولا تتوقف سباحة الشاعر فى زمن المجاز، فهو قادر على استدعاء أخيه الراحل فى خياله فكتب له أعذب قصائده، إن عودته المستحيلة حلم، لكنه لا يملك سواه فيقول فى قصيدته «سواىّ والمطر».. «وقفت أنتظر إيابك الرحيم/ كانت الدروب موحشات وليس فى المدى، سواىّ والمطر/ ها أنا فى الرياح أنتظر/ ماءك الحجر/ حائرًا/ فراشة تتقى الخَطَر/ تائهًا/ كنجمة فى السماء/ عقها بناتُها/ شاردًا كأننى الحجر»، وهى إحدى القصائد التى كتبها لأخيه «فرج».. وهنا نلاحظ ارتباط الشاعر بالطبيعة ومظاهرها، فيفر إليها، ويلجأ حين يُعوزه الأمان فيجد بين رحابها الفراشات والنجوم الوحيدة، ويرتضى بالحلم والأمل منتقلًا من تصوير المشاهد المرئية إلى التجريد فى لوحات شعرية مموسقة تتسم بعذوبة الغنائية، والشجن الرهيف فيقول لأخيه: «سأنتظر شراعك البعيد/ فليس فى ظلامى الجديد/ غير ضوئك العنيد/ متى تجول بالأنين؟/ متى تعود طيبًا/ سنبلاما/ بواحة القمر/ متى تلين روحك الجليد».
وتظل الروح الرومانسية بما تتميز به من ثورة على الواقع الجامد، والتطلع إلى التحقق فى دنيا الخيال، والذى يتحقق بالأمل الذى لا ينفد والانتظار فيقول: «سأنتظر إيابك المحال ألف عام/ كأنه خرافة/ تقال للصغير كى ينام/ غير أننى سأنتظر بعدما نسيتنى/ كأنك الزمن/ بعدما عنفت بى/ كأنك القدر».






