حين تروى البطولة بعيون الأبناء فى ذكرى التحرير
«فرح» و«فريدة» ابنتا الشهيد شريف محمد عمر: «بابا بطل .. ولما قابلنا الرئيس السيسى حسينا إن أبونا لسه عايش»
سلوى عثمان
«بابا بطل.. واحنا فخورين بيه» عبارة بسيطة فى كلماتها، لكنها تختزل حكاية ممتدة بين الغياب والحضور، بين الفقد والمعنى. خرجت من قلب طفلتين لم تتجاوزا سنوات الدراسة الإعدادية، لكنهما تحملان وعيًا مبكرًا بحجم التضحية التى غيّرت ملامح حياتهما.
فى منزل تسكنه الذكريات، جلست فرح، بالصف الأول الإعدادى، إلى جوار شقيقتها فريدة، بالصف الثانى، لتسردا معًا ملامح حكاية أبٍ لم يختفِ، بل تحوّل إلى قيمة راسخة… إلى معنى حى للبطولة.
تتحدث فريدة بثبات يفوق عمرها: “بابا ضحى علشان مصر تعيش… وإحنا لازم نبقى قد المسئولية”،
بينما تميل فرح إلى نبرة أكثر دفئًا، تختلط فيها مشاعر الاشتياق بالفخر: “بابا كان حنين جدًا علينا.. ونفسى أبقى حاجة كبيرة علشانه”.
فى البداية، لم يكن الغياب مفهومًا كاملًا بالنسبة لهما، لكن مع مرور الوقت، أعادت الأيام تشكيل الصورة؛ لم يعد الأب مجرد ذكرى، بل صار رمزًا يوميًا يُستحضر فى التفاصيل، وقدوة تتجسد فى الحلم والسلوك.
ومع حلول ذكرى تحرير سيناء، تكتسب الحكاية عمقًا إضافيًا؛ إذ لا تعنى لهما المناسبة احتفالًا وطنيًا فحسب، بل تذكيرًا مستمرًا بأن ما قدّمه والدهما ليس حالة فردية، بل امتداد لمسيرة طويلة من التضحيات التى صنعت هذا الوطن.
تقول فريدة: “لما بنسمع عن سيناء.. بنحس إن بابا كان هناك علشان يحميها.. زى كل الأبطال”.
اختيار الطريق.. من البداية حتى القرار الأخير
لم يكن الشهيد شريف محمد عمر مجرد اسم يُذكر، بل كان صاحب قرار واضح. نشأ فى بيئة تُقدّر الالتزام والانتماء؛ فوالده أحد رموز نادى الاتحاد السكندرى، وخاله الكابتن شوقى غريب، ما جعله يتشبع منذ الصغر بقيم الانضباط والمسئولية.
ورغم هذا الامتداد الرياضى، لم يتجه إلى الملاعب، بل اختار طريقًا أكثر صعوبة. التحق بالكلية الحربية، ثم بسلاح المظلات، متنقلًا بين مواقع الخدمة، حتى جاء قراره الأهم: التوجه إلى سيناء.
“رفض الأماكن الآمنة.. وأصر يروح سيناء”، تقول والدته، فى جملة تختصر الكثير.
تفاصيل صغيرة… ذاكرة لا تغيب
فى ذاكرة الطفلتين، لا تزال ملامح الأب حاضرة فى أدق التفاصيل: صوته، مزاحه، مكالماته القليلة لكنها ممتلئة بالاهتمام.
تقول فرح: “كنا بنشوفه قليل… بس لما كان بيكلمنا كنا بنحس إن الدنيا كلها معانا”،
وتضيف فريدة: “كان بيهزر معانا… وكان بيحبنا جدًا”.
ومع اتساع إدراكهما، بدأت الصورة تكتمل؛ لم يكن مجرد أب، بل رجل يؤدى واجبًا فى واحدة من أصعب ساحات المواجهة.
الدولة… امتداد العائلة
لم تترك الدولة هذه الحكاية تواجه مصيرها وحدها، بل كانت حاضرة كامتداد حقيقى للأسرة.
تحصل فرح وفريدة على دعم تعليمى ومعنوى متواصل، من خلال إتاحة فرص تعليمية متميزة، تشمل مدارس ذات مستوى متقدم، إلى جانب تسهيلات فى عدد من الخدمات، ومتابعة مستمرة لأسر الشهداء.
هذا الحضور لا يبدو مجرد التزام إدارى، بل رسالة واضحة بأن التضحيات لا تُنسى، وأن أبناء الشهداء جزء أصيل من مسئولية الدولة.
لقاءات إنسانية.. لحظات لا تُنسى
تتوقف الطفلتان عند لحظات خاصة جمعتهما بالرئيس عبدالفتاح السيسى، تركت أثرًا عميقًا فى نفسيهما.
تقول فرح: “لما بنشوفه.. بنحس إنه قريب مننا جدًا”، وتضيف فريدة: “مرة شالنى وباسنى.. حسيت إن بابا موجود”.
شاركتا فى مناسبات وطنية مختلفة، حيث كان التعامل أقرب إلى الأبوة منه إلى الرسمية، وهو ما منح هذه اللقاءات طابعًا إنسانيًا خالصًا.
وتقول فرح: “نفسنا نكبر ونبقى حاجة تفرّح بابا”،
بينما تضيف فريدة بثقة: “عايزين نكون زيه… ونرفع اسم مصر”.
صوت الأم.. حين يتحول الدعاء إلى قدر
من زاوية أخرى، تروى الأم، إيمان الغريب، الحكاية من جذورها، بنبرة يغلب عليها الإيمان.
تقول: “ابنى ما ماتش.. ابنى بطل.. وكان نفسه يبقى شهيد”.
وتستعيد تفاصيل مكالمته الأخيرة: “كلمنى 3 مرات فى يوم واحد.. وقال لى: يا أمى هتزعلى لو بقيتى أم شهيد؟”.
ثم تضيف: “قال لى: أنا هكون شهيد وهلف علم مصر حواليا.. وطلب منى أدعيله”.
تصمت قليلًا قبل أن تتابع: “دعيت له… وهو قال لى: ده اللى أنا عايزه”.
وفى اليوم التالى، وصل الخبر.
وتشير إلى وصيته بالدعاء للرئيس، تقديرًا لحجم المسئولية، مؤكدة أنها نقلت هذه الرسالة خلال تكريمها، حيث جاء الرد بدعاء مماثل بأن يبلغ منزلة الشهداء.
ما بعد الفقد.. حضور مستمر
لا تتوقف القصة عند لحظة الاستشهاد، بل تبدأ مرحلة أخرى.
تقول الأم: “من أول يوم… إحنا مش لوحدنا”.
وتؤكد أن الدعم شمل الجوانب التعليمية والاجتماعية والمعيشية، إلى جانب المتابعة المستمرة، ما عزز لديها شعورًا عميقًا بأن ابنها لا يزال حاضرًا فى وجدان الدولة.
سيناء… حيث يستمر المعنى
ترى الأم أن ما تشهده سيناء من جهود فى مواجهة الإرهاب، خاصة منذ العملية الشاملة عام 2018، هو امتداد لمعركة قدّم فيها ابنها روحه.
وتقول: “العمليات دى بردت قلوبنا.. وحسسّتنا إن حق ولادنا بيرجع.. ودمهم ما راحش هدر”.
ليست هذه مجرد قصة أسرة فقدت عائلها، بل صورة مكثفة لوطن كامل. طفلتان تكبران على الفخر قبل العمر، وأمٌّ تُحوّل الألم إلى يقين، ووطن يعيد كتابة تاريخه بدماء أبنائه.
وفى ذكرى تحرير سيناء، لا تبقى البطولة حكاية من الماضى، بل واقعًا حيًا يتجدد، فى كل بيت قدّم شهيدًا، وفى كل طفل يردد، ببساطة تليق بالعظمة: “بابا بطل”.






