الجمعة 26 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

قانون الأسرة.. جدل واسع حول التعديلات الجديدة

عاد ملف قانون الأسرة للمسلمين ليتصدر المشهد العام من جديد، فى ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التى يشهدها المجتمع المصرى، حيث يمثل هذا القانون أحد أكثر التشريعات تأثيرًا فى الحياة اليومية للمواطنين، إذ لا يقتصر دوره على تنظيم العلاقة بين الزوجين، بل يمتد ليحدد مصير الأطفال، واستقرار الأسرة، وتوازن الحقوق والواجبات داخل كيان يُعد الركيزة الأساسية للمجتمع.



ومن هذا المنطلق، برزت الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر فى التشريعات الحالية، بما يتواكب مع المتغيرات الراهنة، ويعالج أوجه القصور التى كشفتها التجربة العملية عبر سنوات طويلة، خاصة فى ظل تزايد النزاعات الأسرية وتعقّد إجراءات التقاضى.

ويأتى مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد مصحوبًا بمقترح إنشاء «صندوق دعم الأسرة»، كأحد أبرز محاور الإصلاح، حيث يستهدف توفير آلية سريعة وعادلة لضمان صرف النفقة للزوجة والأبناء فورًا، على أن يتولى الصندوق لاحقًا تحصيل هذه المستحقات من الزوج. ويهدف هذا المقترح إلى تخفيف الأعباء الاقتصادية عن كاهل الأسر، خاصة فى حالات تعثر تنفيذ الأحكام القضائية.

لكن هذا التوجه لم يمر دون جدل، إذ تصاعدت الخلافات حول مصادر تمويل الصندوق، وما إذا كان سيشكل عبئًا إضافيًا على الدولة أو المواطنين، فى وقت يرى فيه مؤيدوه أنه يمثل حلًا عمليًا لأزمة مزمنة تتعلق بتأخر صرف النفقات.

الطلاق الشفهى.. صدام بين القانون والفقه

من أكثر القضايا إثارة للجدل مسألة الطلاق الشفهى، حيث ينص الوضع الحالى على وقوعه شرعًا إذا استوفى شروطه، حتى دون توثيق فورى. غير أن اتجاهًا داخل النقاشات القانونية يطالب بعدم الاعتداد به إلا فى حالة التوثيق الرسمى، حمايةً لحقوق الزوجة.

فى المقابل، يرفض اتجاه آخر هذا الطرح، معتبرًا أنه يتعارض مع الأحكام الفقهية. ويبرز حل وسط يتمثل فى الإبقاء على وقوع الطلاق شرعًا، مع تجريم عدم توثيقه خلال مدة زمنية محددة، بما يحقق التوازن بين الجانبين.

الزواج الثانى.. الإخطار أم الحق فى الاعتراض؟

يمتد الجدل إلى مسألة إعلام الزوجة الأولى بزواج زوجها بأخرى، إذ يفرض القانون الحالى إخطارها، لكن النقاش يتجاوز ذلك ليطرح تساؤلات أعمق: هل يكفى الإخطار؟ أم يجب منح الزوجة الأولى حق الاعتراض أو الطلاق التلقائى؟

وتتأرجح الآراء بين من يدعو لحماية استقرار الأسرة الأولى، ومن يتمسك بحرية التعدد باعتبارها حقًا شرعيًا، ما يعكس حساسية هذا الملف وتعقيداته.

سن الحضانة.. مصلحة الطفل أولًا

قضية الحضانة بدورها تشهد خلافًا واسعًا، حيث يمنح القانون الحالى الأم حق الحضانة حتى سن 15 عامًا، ثم يُخيّر الطفل. بينما يطالب البعض بخفض هذا السن إلى 7 أو 9 سنوات، فى حين يرى آخرون ضرورة الإبقاء عليه أو زيادته، تأكيدًا على أولوية مصلحة الطفل نفسيًا وتربويًا.

«صندوق دعم الأسرة».. حل أم عبء جديد؟

يُطرح صندوق دعم الأسرة كأحد الحلول الجوهرية لمشكلة بطء التقاضى وصعوبة تنفيذ الأحكام، إذ يضمن صرف النفقة بشكل فورى، لكن الخلاف لا يزال قائمًا حول آليات تمويله، ومدى تأثيره على الاقتصاد العام.

ثروة الزوج بعد الطلاق.. معركة العدالة والشرع

ومن أكثر النقاط إثارة للجدل، مقترح منح الزوجة نسبة من الثروة التى تم تكوينها خلال فترة الزواج، فى ظل غياب نص قانونى حالى ينظم هذا الأمر.

ويرى مؤيدو المقترح أنه يمثل تعويضًا عادلًا لمساهمة الزوجة، حتى وإن كانت غير مباشرة، بينما يعتبره معارضون خروجًا عن الإطار الشرعى الذى ينظم الحقوق المالية من مهر ونفقة ومتعة، ما يفتح بابًا واسعًا للنقاش.

الرؤية والاستضافة.. صراع الحقوق والمخاوف

تظل مسألتا «الرؤية» و«الاستضافة» من أكثر الملفات حساسية، حيث يطالب الآباء بتطبيق نظام الاستضافة (المبيت) بدلًا من الرؤية المحدودة، بينما تبدى بعض الأمهات مخاوف تتعلق بسلامة الأطفال.

وتتجه المقترحات إلى تطبيق الاستضافة بشروط وضوابط صارمة، أو تطوير نظام الرؤية ليكون أكثر مرونة، بما يحقق التوازن بين حقوق الطرفين.

آراء قانونية.. بين التأييد والتحفظ

أكد المستشار عبدالله الباجا، رئيس محكمة الأسرة، أن القانون الجديد يمثل خطوة ضرورية لإصلاح الخلل القائم، لكنه شدد على أن نجاحه مرهون بصياغة دقيقة تحقق التوازن بين جميع الأطراف، خاصة فى القضايا الخلافية مثل الطلاق الشفهى والحضانة والنفقة.

من جانبه، دعم المستشار أشرف يسرى، بمحكمة أسرة زنانيرى، فكرة توحيد قانون الأحوال الشخصية، مشيرًا إلى أن تعدد القوانين الحالية يؤدى إلى تضارب الأحكام وبطء التقاضى، مؤكدًا ضرورة أن يكون «الأصلح للطفل» هو المعيار الحاكم. كما حذر من تطبيق الاستضافة دون ضوابط واضحة، لما قد يترتب عليها من نزاعات متكررة.

أما أحمد مهران، المحامى بالنقض، فرأى أن مشروع القانون يحمل نوايا إصلاحية، لكنه يعانى من بعض الغموض فى الصياغة، ما قد يؤدى إلى تضارب التفسيرات وزيادة القضايا أمام المحاكم، خاصة فيما يتعلق بالاستضافة وتقسيم الثروة.

وشدد على ضرورة وضع معايير واضحة وضمانات قانونية دقيقة، لتجنب تعقيد المشهد بدلًا من تبسيطه، مؤكدًا أن القانون الناجح هو الذى يحقق التوازن بين الرجل والمرأة، دون انحياز لأى طرف.

فيما قال المستشار أحمد الحناوى بمحكمة أسرة الزيتون: إن ملف قانون الأسرة للمسلمين بات أحد أكثر الملفات إثارة للجدل فى المجتمع المصرى، فى ظل اتساع النقاشات حول مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، وما يرتبط به من مقترحات تتعلق بإنشاء “صندوق دعم الأسرة” وإعادة تنظيم قضايا الطلاق والحضانة والنفقة والرؤية، إلى جانب قضايا أكثر حساسية مثل تقسيم الثروة بعد الطلاق، والطلاق الشفهى، وسن الحضانة، والاستضافة، وإخطار الزوجة الأولى بالزواج الثانى.

وأوضح أن الجدل الدائر يعكس حالة من التباين الواضح بين اتجاهات تطالب بتحديث التشريعات بما يحقق العدالة الأسرية ويحفظ حقوق المرأة والطفل، واتجاهات أخرى تحذر من المساس بثوابت الشريعة أو الإخلال بتوازن العلاقة بين الزوجين، ما يجعل المشروع محل نقاش قانونى ودينى واجتماعى واسع.

وفيما يخص الطلاق الشفهى، أشار إلى وجود اتجاه قانونى مؤيد للاعتداد بالطلاق الموثق فقط، باعتباره وسيلة لحماية حقوق الزوجة والأبناء والحد من النزاعات المتعلقة بالإثبات والنفقة، فى حين يتمسك اتجاه فقهى ودينى بأن الطلاق الشفهى المستوفى للشروط يقع شرعًا، وأن قصره على التوثيق قد يخلق إشكالية بين الحكم القانونى والحكم الشرعى، ويزيد التعقيد الاجتماعى.

وبشأن إعلام الزوجة الأولى بالزواج الثانى، لفت إلى أن فريقًا من القانونيين يرى أن الإخطار يعزز الشفافية ويحفظ حقوق المرأة ويمنع النزاعات الناتجة عن إخفاء الزواج، بينما يرى معارضون أن اشتراط الإخطار أو الموافقة يعد تقييدًا لحق أباحته الشريعة، مؤكدين أن الأصل هو العدل بين الزوجات لا طلب الإذن المسبق.

وفى ملف الحضانة، أوضح أن هناك من يدعم استمرارها حتى سن أكبر لتحقيق الاستقرار النفسى والتربوى للطفل خلال مراحل التعليم، بينما يطالب آخرون بخفض سن الحضانة أو تخيير الطفل مبكرًا، بهدف تعزيز دور الأب وتقليل الخلل فى التوازن الأسرى.

وأشار إلى أن ملف «الرؤية والاستضافة» يظل من أكثر القضايا حساسية، حيث يطالب الآباء بتوسيع نطاق الاستضافة بما يحقق مصلحة الطفل، بينما تبدى بعض الأمهات ومؤسسات حماية الأسرة تخوفات من سوء الاستخدام أو تأثيرها النفسى على الأطفال.

وأضاف أن مقترح إنشاء صندوق دعم الأسرة يحظى بقبول واسع باعتباره آلية لضمان صرف النفقة بسرعة، لكنه يواجه مطالب بوجود ضوابط دقيقة تمنع تحميل الأب أعباء إضافية أو إساءة استخدام الإجراءات.

وفيما يتعلق بمقترح حصول الزوجة على نسبة من ثروة الزوج بعد الطلاق، أوضح أنه من أكثر البنود إثارة للانقسام، بين من يراه إنصافًا لدور المرأة داخل الأسرة، ومن يعتبره متعارضًا مع أحكام الشريعة المتعلقة بالذمة المالية والميراث.

واختتم المستشار هشام أحمد بمحكمة أسرة مصر الجديدة بالتأكيد على أن التحدى الأكبر أمام المشرع يتمثل فى تحقيق معادلة دقيقة توازن بين حقوق جميع الأطراف، مع ضرورة وضوح النصوص وقابليتها للتطبيق، ووضع مصلحة الطفل فى المركز الأول، بما يضمن استقرار الأسرة ويحول الحضانة والرؤية إلى أدوات حماية لا ساحة نزاع.