العلاقات الثقافية.. من حجر رشيد إلى البعثات الأثرية
علاء الدين ظاهر
تمثل العلاقات بين مصر وفرنسا، أحد أقدم وأعمق نماذج التعاون الثقافى والعلمى فى العالم الحديث، حيث تتجاوز المجال الدبلوماسى التقليدى إلى إنشاء شراكة راسخة فى حقلى الآثار والتراث، وهو ما عاد الحديث عنه بقوة بعد الزيارة الناجحة التى قام بها مؤخرًا إيمانويل ماكرون، رئيس فرنسا.
وعن العلاقات الفرنسية المصرية، من فك رموز حجر رشيد إلى المتاحف والبعثات الأثرية، حاورنا الدكتور إسلام عزت، مدرس مساعد بكلية الآثار جامعة عين شمس والجامعة الفرنسية فى مصر، وباحث دكتوراه بجامعة سيرجى باريس ومركز بحوث الآثار التاريخية بفرنسا، ورئيس فريق عمل المركز الجامعى للفرانكفونية بجامعة عين شمس.
حجر رشيد
قال «عزت»: «إن جذور الشراكة بين مصر وفرنسا تعود إلى نهاية القرن الثامن عشر، وتحديدًا إلى الحملة الفرنسية على مصر «1798- 1801»، التى رافقها عدد كبير من العلماء والفنانين، وكان من أهم نتائج تلك الحملة اكتشاف حجر رشيد عام 1799، وهو لوح من البازلت الأسود يحمل نفس النص بثلاثة خطوط: «الهيروغليفى، والديموطيقى، واليونانى القديم».
واستطاع العالم الفرنسى، جان فرانسوا شامبليون، عام 1822 فك رموز الكتابة الهيروغليفية بالاعتماد على هذا الحجر، وذلك فى رسالته الشهيرة إلى السيد داسييه (Champollion, Lettre à M. Dacier relative à l›alphabet des hiéroglyphes phonétiques, 1822)، وهو إنجاز وصفه الباحث باركنسون (Parkinson, 1999) فى كتابه «حجر رشيد» بأنه «مفتاح الحضارة المصرية القديمة» وإيذانًا بولادة علم المصريات الحديث كتخصص أكاديمى منظم، ورغم أن حجر رشيد موجود حاليًا فى المتحف البريطانى، فإن الإسهام الفرنسى فى فهم النقوش المصرية وتأسيس البنية التحتية لعلم الآثار فى مصر ظل حاسمًا ومستمرًا حتى يومنا هذا.
أوجست مارييت
وأضاف المدرس المساعد بكلية الآثار: «لم تقف العلاقة عند حدود فك النقوش، بل سرعان ما تحولت إلى عمل مؤسسى ملموس على الأرض المصرية على يد عالم الآثار الفرنسى أوجست مارييت، الذى يعتبره لوكا (Luca, 2010) فى دراسته عن رواد علم المصريات «الأب المؤسس للمتحف المصرى الحديث»، بعد أن عين مارييت أول مدير لهيئة الآثار المصرية عام 1858، أقام متحف بولاق عام 1863، ليكون النواة الأولى للمتحف المصرى لاحقًا، ثم انتقلت مجموعاته إلى المتحف المصرى الحالى فى ميدان التحرير عام 1902.
ولم يقتصر دور «مارييت»، على جمع الآثار وعرضها، بل وضع أول قانون عصرى لمنع تهريب الآثار المصرية، وأدار بعثات تنقيب منهجية فى سقارة والجيزة وأبيدوس، مما أسس لعلاقة ثنائية قائمة على حماية التراث وإدارته علميًا وليس على نقله أو جمعه بصفته كنوزًا فردية.
وعلى صعيد البحث الأثرى الميدانى وأعمال الترميم، شكل المعهد الفرنسى للآثار الشرقية (IFAO) – الذى تأسس عام 1880 ويتخذ من القاهرة مقرًا له – الهيئة الأكثر استمرارًا وتنظيمًا فى العمل الأثرى الفرنسى داخل مصر.
ووفقًا لما يوثقه المؤرخ تيرى (Thierry, 2015) فى تاريخ الاستشراق الفرنسى، لم يقتصر دور المعهد على أعمال التنقيب فحسب، بل امتد إلى تدريب أجيال من علماء الآثار المصريين، وإصدار مئات المجلدات العلمية المرجعية عن المعابد والمقابر والبرديات المصرية.
الكرنك وتانيس
عن البعثات الفرنسية المصرية المشتركة التى تعكس عمق هذا التعاون، أوضح «عزت» أنه من أبرزها بعثة وادى الجرف، وبعثة المقاصير الأوزيرية فى الكرنك، وبعثة تانيس بالشرقية، وبعثة معبد الرامسيوم، وبعثة السيرابيوم بسقارة، وبعثة الميدامود، وبعثة العساسيف ويعثة مقبرة TT33 وبعثة باويط، وكذلك بعثة قلعة الشيخ همام، وجميعها تمثل نماذج ناجحة للشراكة العلمية الميدانية.
أما على صعيد الترميم الدقيق، فيعد مشروع ترميم اللوحات الخشبية لمصطبة حسى رع المحفوظة فى المتحف المصرى بالتحرير، من أبرز الإنجازات المشتركة بين الجانبين، تعود هذه اللوحات إلى عصر الأسرة الثالثة (نحو 2686-2613 ق.م)، وتعتبر من أروع نماذج النحت الغائر على الخشب فى مصر القديمة، لما تتميز به من دقة متناهية فى تصوير التفاصيل التشريحية والأدوات اليومية للكاهن الأعظم «حسى رع».
تعاون علمى
تعاونت بعثة فرنسية متخصصة من المعهد الفرنسى للآثار الشرقية، مع خبراء المتحف المصرى فى مشروع امتد بين عامى 2021 و2024، يهدف إلى معالجة وتقوية اللوحات الخشبية، ومعالجة التغيرات الناتجة عن التلف الميكروبيولوجى، وإعادة تركيب اللوحات وفق سياق اكتشافها فى الجزء الغربى من مصطبة حسى رع.
كذلك يلعب المعهد الفرنسى فى مصر IFE، ومكتب البعثات الدراسية، دورًا محوريًا فى تفعيل برامج تبادل الباحثين، وتوفير منح للماجستير والدكتوراه، ودراسات ما بعد الدكتوراه، فى حقول عدة فى مجال الآثار، ولعل المنح الدراسية المقدمة من كل من الوكالة الجامعية الفرانكفونية AUF، والسفارة الفرنسية بالقاهرة، وكذلك صندوق دعم الباحثين فى علوم الآثار FFAR برامج منح الدكتوراه المخصصة للأكاديميين من أعضاء هيئة تدريس الجامعات، أكبر دليل على ذلك، والتى لعب المكتب الثقافى فى السفارة المصرية فى باريس دورًا رائدًا فى إنجازها.
سياحة ومعارض
وأكد المدرس المساعد بكلية الآثار، أنه كان لهذا التعاون الأثرى العميق أثر مباشر وملموس على قطاع السياحة فى مصر، حيث حول الاهتمام الفرنسى المتخصص بالآثار المصرية إلى تدفق سياحى مستدام ومتزايد، وتشير إحصاءات جريدة Economie Touristique للأعوام 2022 و2023 إلى أن السياح القادمين من فرنسا يحتلون باستمرار المرتبة الثالثة بين الجنسيات الأوروبية القادمة إلى مصر، بمتوسط إقامة يصل إلى عشرة ليالٍ ومعدل إنفاق يومى مرتفع مقارنة بجنسيات أخرى.
ويعزو الباحثون فى اقتصاديات السياحة الثقافية هذا الأداء، إلى تراكم عوامل تاريخية ومعاصرة، أولها الوجود الفرنسى الطويل فى مصر مما جعل الآثار المصرية حاضرة بقوة فى المناهج التعليمية والمتاحف الفرنسية، ولعل أبرز مثال على ذلك «الحياة اليومية فى مصر القديمة»، ومعرض «مملوك»، اللذان نظمهما متحف اللوفر عام 2022 و2025، وحضره أكثر من نصف مليون زائر.
وثانيها، التغطية الإعلامية الفرنسية المستمرة للاكتشافات الأثرية ومشاريع الترميم المشتركة، مثل فيلم Ramsès II, Toutânkhamon, l›Égypte des pharaons - Secrets d›Histoire، الذى أنتجته قناة ARTE الفرنسية عام 2025، وأظهر للجمهور الأوروبى تفاصيل دقيقة عن أسرار ملوك مصر العظام الذين وضعوا لبنات الدولة المصرية ونظامها الإدارى، وثالثها تأثير الأفلام الوثائقية الفرنسية الكلاسيكية مثل فيلم «شامبليون: لغز الهيروغليفية» الذى عرضته قناة France 5 عام 2021، وأعاد إحياء الاهتمام الشعبى بالحضارة المصرية كمغامرة فكرية وجمالية تستحق المشاهدة المباشرة على أرضها.
الدبلوماسية الثقافية
وأشار «عزت»، إلى أنه لكل هذه الأسباب، لم تترك العلاقة بين مصر وفرنسا فى مجال التراث للمصادفة أو لتفاهمات ظرفية عابرة، بل تم تنظيمها عبر قنوات الدبلوماسية الثقافية التى جعلت من الآثار أداة استراتيجية للتأثير المتبادل وتعزيز الروابط الودية، ومنذ توقيع الاتفاقية الثقافية المصرية الفرنسية عام 1958، ثم تجديدها عام 1977، نصت البنود على تبادل الخبراء الأثريين، وإنشاء بعثات تنقيب مشتركة، وتنظيم معارض أثرية متنقلة بين البلدين.
ويشير الباحث جاليه (Gallet, 2014) فى دراسته عن السياسة الثقافية الفرنسية فى الخارج، إلى أن مصر كانت الدولة الوحيدة غير الأوروبية التى افتتحت فيها السفارة الفرنسية فرعين إقليميين (فى الأقصر ممثلًا فى مركز دراسات الكرنك، والإسكندرية ممثلًا فى مركز الدراسات السكندرية)، مما يعكس الأولوية الاستراتيجية التى توليها باريس للتعاون الأثرى مع القاهرة.
كما تعد زيارات الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، إلى مصر أعوام 2019 و2025 ومؤخرًا فى مايو 2026، والتى رافقتها مباحثات موسعة حول حماية الآثار ونقل الخبرات فى مجال التبادل الثقافى والمعرفى وكذلك الخبرات السياحية، نموذجًا حيًا على كيف يمكن للدبلوماسية الثقافية أن تترجم إلى تعاون رفيع المستوى ينعكس إيجابًا على صورة البلدين وشعبيهما.
وهكذا تظل العلاقات الفرنسية المصرية فى مجال الآثار والتراث نموذجًا حيًا على كيف يمكن للثقافة أن تكون جسرًا للتعاون الدولى، وكيف يمكن لعلم واحد هو علم المصريات أن يؤسس لصناعة اقتصادية كاملة هى السياحة، ولأداة دبلوماسية ناعمة وفاعلة هى الدبلوماسية الثقافية.
وكلما تقدمت الأبحاث واكتشفت آثار جديدة أو ترممت أخرى، تتعمق هذه الشراكة، وتتأكد حقيقة أن الحضارة المصرية القديمة كانت وستظل أرضًا خصبة للقاء بين الشعبين الصديقين.






