كيف تحولت مصر من العجز إلى مركز إقليمى للطاقة؟
سامى عبد الرحمن
استطاع قطاع الكهرباء والطاقة فى مصر، تحقيق قصة نجاح متفردة خلال السنوات الماضية، لينتقل من العجز إلى الفائض وفق استراتيجية متكاملة تقوم على تنوع مصادر الطاقة وتعزيز أمن الطاقة المستدام.
ومهد هذا التحول الطريق لدعم خطط التنمية فى كل المجالات، وتحقيق الاكتفاء الذاتى وتلبية الاحتياجات الداخلية والمشروعات القومية، وصولًا إلى الهدف الأسمى بأن تصبح مصر مركزًا إقليميًا ولاعبًا أساسيًا ومؤثرًا فى سوق الطاقة العالمية.
وركزت الرؤية المصرية، على الاستغلال الأمثل لمقومات الدولة الجغرافية، والتنوع فى مصادر الطاقة، والانخراط فى شراكات دولية وإقليمية عديدة، لتحقيق مستقبل آمن ومستدام للطاقة، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار فى مشروعات الاستكشاف والبحث عن الغاز، بجانب ترشيد استخدام المصادر التقليدية، علاوة على المساهمة فى تلبية الطلب العالمى فى مجال الطاقة، خاصة فى ظل المتغيرات العالمية.
وكانت مصر تواجه واحدة من أكبر أزماتها فى قطاع الطاقة عام2014، إذ سجلت عجزًا كهربائيًا تجاوز 6 آلاف ميجاوات، نتج عنه انقطاعات يومية للتيار الكهربائى، أثرت سلبًا على الحياة والأنشطة الاقتصادية.
إلا أن الدولة أطلقت منذ ذلك الحين استراتيجية طموحة لإصلاح وتطوير منظومة الكهرباء، أدت إلى تحقيق طفرة غير مسبوقة فى قدرات التوليد والربط والتصدير، وقفزت القدرة الإجمالية للشبكة القومية خلال العام الماضى إلى نحو 59 ألف ميجاوات.
ومع تلك الوفرة الإنتاجية، تحقق فائضًا يقدر بنحو 28 ألف ميجاوات، مكن الدولة من تلبية الطلب المحلى المتزايد، خاصة خلال ذروة الصيف التى سجل فيها الاستهلاك رقمًا قياسيًا بلغ 36 ألف ميجاوات، مع الحفاظ على قدرة كافية للتصدير الإقليمى.
وبجانب تحقيق الاستقرار فى الإمدادات الكهربائية محليًا، اتجهت الدولة إلى التوسع فى مشروعات الطاقة المتجددة، التى تعد أحد الأعمدة الأساسية فى خطتها لتأمين الطاقة وتعزيز قدرتها التصديرية، حيث قامت بإنشاء مجمع بنبان للطاقة الشمسية فى أسوان، والذى ينتج 1465 ميجاوات باستثمارات تخطت 2 مليار دولار.
مشروعات الطاقة المتجددة، ساهمت فى تحقيق الربط الكهربائى مع الدول المجاورة، حيث ترتبط مصر حاليًا بشبكات مع الأردن وليبيا والسودان وفلسطين، بإجمالى قدرة تصديرية تقارب 600 ميجاوات.
وفى يونيو الماضى، أعلنت مصر عن مضاعفة إمداداتها إلى الأردن لتصل إلى 400 ميجاوات يوميًا لتعويض توقف الغاز الإسرائيلى نتيجة التوترات الجيوسياسية، كما حقق مشروع الربط مع السعودية تقدمًا ملموسًا بالوصول إلى نسبة تنفيذه تتجاوز 77.9% مع قدرة تبادل تصل إلى 3000 ميجاوات.
لا تقتصر طموحات مصر على السوق الإقليمية فقط، إذ تسعى إلى تصدير الكهرباء إلى أوروبا، وهناك خطة لإنشاء خط كهرباء بحرى بطول 900 كم يربط مصر باليونان لنقل ما بين 2000 و3000 ميجاوات من الكهرباء اعتمادًا على فائض الطاقة المتجددة.
وتواصل مصر تنفيذ استثمارات ضخمة فى مشروعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية الكهربائية، فى إطار رؤيتها للتحول إلى مركز إقليمى وعالمى للطاقة، مع فائض إنتاج كبير وتوسع فى خطوط الربط بين أوروبا وإفريقيا، حيث تمتلك كل المقومات لتلبية احتياجاتها الداخلية وتعزيز صادراتها من الكهرباء والمساهمة فى تحقيق أمن الطاقة الإقليمى والدولى.
من جانبه، قال الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة: “إن الدولة قامت بعملية إعادة بناء كاملة للبنية التحتية، فضلًا عن تعزيز البنية التشريعية اللازمة والمشجعة للقطاع الخاص وجهات التمويل الدولية لتنفيذ المشروعات فى الطاقة المتجددة، لتصبح من أكثر الدول الجاذبة للاستثمار بهذا المجال، موضحًا زيادة قدرات الدولة سواء فى الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح اعتمادًا على القطاع الخاص المحلى والأجنبى.
وأكد عصمت، أنه بنهاية عام 2026 ستصل القدرات الإنتاجية إلى نحو 12 ألف ميجاوات من الطاقات المتجددة، بالإضافة إلى 3350 ميجاوات بطاريات تخزين، منوهًا أن خطة الدولة بنهاية عام2029، تستهدف الوصول إلى 20 ألف ميجاوات من الطاقات المتجددة، بالإضافة إلى 3600 ميجاوات من الطاقة النووية النظيفة، و2400 ميجاوات من الضخ والتخزين.
وتابع الوزير: إن هذه المشروعات لا تسهم فقط فى خفض انبعاثات الكربون، بل تسهم فى خلق فرص عمل جديدة، ودفع عجلة النمو الاقتصادى، وتحقيق مستهدف الدولة نحو خفض الاعتماد على الوقود الأحفورى، وخفض الانبعاثات، وتحقيق رؤية مصر 2030، والاستراتيجية الوطنية للطاقة 2040، والتى تم اعتماد تحديثها من الحكومة لتعكس توجه الدولة نحو الطاقة المتجددة.
واستطرد عصمت: إن استراتيجية عمل الوزارة تستهدف أن تصبح مصر مركزًا إقليميًا للطاقة يربط بين أسواق إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، بفضل موقعها الاستراتيجى ومشروعات البنية التحتية الأساسية، مشيرًا إلى مشروعات الربط الكهربائى القائمة مع دول الجوار السودان وليبيا والأردن، والمشروع الجارى تنفيذه للربط مع السعودية، والمستهدف تشغيله هذا العام.
ولفت وزير الكهرباء، إلى الرؤية المشتركة مع دول الاتحاد الأوروبى للربط الكهربائى، خاصة مشروعى الربط الكهربائى بين مصر واليونان، ومصر وإيطاليا يعدان من أهم المشروعات التى تستهدف تحقيق التكامل الإقليمى.
وعن الخطة الاستثمارية لقطاع الكهرباء والطاقة المتجددة للعام المالى “2025 - 2026”، أوضح أنها تتمثل فى تحسين جودة خدمات الكهرباء المقدمة للمواطنين، وتعزيز التنافسية الدولية، وتهيئة مناخ جاذب للاستثمار، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص بقطاع الكهرباء، علاوة على تعظيم دور القطاع فى استدامة الموارد والتصدى للتغيرات المناخية بالتحول للطاقة النظيفة ورفع كفاءة الاستهلاك وتقليل الفاقد، مشيرًا إلى أن الخطة الاستثمارية للعام المالى الجارى تضمنت توجيه استثمارات عامة لكل الجهات التابعة للوزارة بنحو 99.9 مليار جنيه لتنفيذ 48 مشروعًا.






