خبراء: ملحمة تنموية حولت أزمة المياه إلى قوة إنتاجية
نهى حجازى
فى وقتٍ كانت فيه تحديات المياه، تمثل أحد أكبر التهديدات أمام خطط التنمية الزراعية فى مصر، نجحت الدولة المصرية فى تحقيق معادلة شديدة الصعوبة، جمعت بين مواجهة محدودية الموارد المائية والتوسع الزراعى غير المسبوق.
وبينما تواجه المنطقة تحديات متزايدة تتعلق بندرة المياه والتغيرات المناخية، استطاعت مصر أن تتحرك بخطوات مدروسة نحو تعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه، عبر تنفيذ مشروعات قومية عملاقة لإعادة تدوير المياه، وتبطين الترع، وتطوير نظم الرى الحديثة، بما أسهم تدريجيًا فى التغلب على الأزمة المائية، وتحويلها إلى فرصة للتنمية والإنتاج.
يأتى مشروع الدلتا الجديدة، كأحد أهم هذه المشروعات الاستراتيجية، إذ يمثل نقلة نوعية فى ملف الأمن الغذائى والتنمية المستدامة، حيث يقام على مساحة ضخمة تقدر بنحو 2.2 مليون فدان، ليصبح من أكبر مشروعات الاستصلاح الزراعى فى تاريخ مصر الحديثة.
تاريخ المصارف الزراعية.. والتجارب الدولية
فى هذا السياق، قال الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية: بحلول سبعينيات القرن الماضى كانت جميع أراضى الدلتا قد غطيت بالمصارف الزراعية، التى تعود إلى أربعينيات القرن الماضى، ما أدى إلى وجود نحو 21 مليار متر مكعب من مياه الصرف الزراعى غير المستغلة، والتى كانت تصرف بمياه البحر المتوسط.
وأشار نور الدين، إلى أن معظم دول العالم، بما فيها الدول الأوروبية الغنية بالمياه، تتجه إلى إعادة استخدام مياه الصرف الزراعى حفاظًا على البيئة، لأن التخلص منها فى البحر يؤدى إلى تلوثه والإضرار بالثروة السمكية والكائنات البحرية، فيما يؤدى تصريفها فى الصحراء إلى أضرارًا بيئية وانتشار للحشرات.
محطات المعالجة والاستفادة من الموارد المائية
وأوضح أستاذ الموارد المائية، أن الدولة بدأت خلال السنوات العشر الأخيرة فى إنشاء محطات متطورة تعتمد على المعالجة الثلاثية لإزالة الشوائب والمواد الضارة، بحيث تصبح المياه المعالجة قريبة فى جودتها من مياه الترع، بما يسمح باستخدامها بأمان فى الزراعة.
وأكد نور الدين، أن الاستفادة من نحو 21 مليار متر مكعب من مياه الصرف الزراعى ساهمت فى توفير الموارد المائية اللازمة للتوسع الزراعى، وعلى رأسه مشروع الدلتا الجديدة واستصلاح نحو مليونى فدان، دون المساس بحصة مياه النيل أو استنزاف المياه الجوفية.
تبطين الترع وترشيد استهلاك المياه
فيما يتعلق بمشروع تبطين الترع، كشف أستاذ الموارد المائية، أن مصر نجحت فى توفير ما يقرب من 7 مليارات متر مكعب من المياه عبر تقليل الفاقد، ضمن استراتيجية ترشيد استخدام المياه، لافتًا إلى أن تبطين الترع قلل من تسرب المياه إلى التربة المحيطة ورفع كفاءة وصول المياه إلى الأراضى الزراعية.
وأضاف: إن الدولة اتخذت إجراءات لترشيد استهلاك المياه، شملت تقليص مساحات المحاصيل الشرهة للمياه مثل الأرز والموز وقصب السكر، بما يسهم فى تحقيق وفر مائى كبير.
تحديات استخدام المياه المالحة
وشدد أستاذ الموارد المائية، على أن استخدام المياه المالحة فى الزراعة ليس حلًا اقتصاديًا أو عمليًا على نطاق واسع، لأن الأملاح تؤدى إلى تملح التربة وتحد من أنواع المحاصيل الممكن زراعتها، كما أن تحلية المياه للاستخدام الزراعى مكلفة للغاية.
تنسيق حكومى للاستفادة من المياه
من جانبه، أكد الدكتور أشرف كمال، أستاذ الاقتصاد الزراعى بمركز البحوث الزراعية، أن وزارة الزراعة تعمل بالتنسيق المستمر مع وزارة الرى، فى تعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه، من خلال محورين رئيسيين هما تنمية الموارد المائية وترشيد استخدام مياه الرى.
وأوضح كمال، أن محور تنمية الموارد المائية يشمل تنفيذ مشروعات كبرى لإعادة تدوير مياه الصرف الزراعى، من بينها محطتا بحر البقر والمحسمة بشرق القناة فى سيناء، واللتان حصلتا على جوائز دولية، وتستخدمان مئات الملايين من الأمتار المكعبة من المياه المعالجة لرى نحو 540 ألف فدان فى شمال ووسط سيناء.
مشروع الدلتا الجديدة والتنمية الزراعية
وتابع أستاذ الاقتصاد الزراعى: مشروع الدلتا الجديدة يتضمن محطات رفع عملاقة، إذ يضم كل محور 13 محطة رفع بطاقة تصل إلى 7.5 مليون متر مكعب يوميًا، فضلًا عن مشروعات تخزين مياه الأمطار فى مناطق مثل مرسى مطروح وشمال سيناء للاستفادة منها فى غير مواسم سقوطها.
وأشار كمال، إلى أن مشروع الدلتا الجديدة، الذى يمتد على مساحة 2.2 مليون فدان فى 5 محافظات وهي الجيزة والبحيرة ومرسى مطروح والإسكندرية والمنوفية، يقوم على مفهوم التنمية الشاملة من خلال التوسع الزراعى والتصنيع الزراعى، ويوفر ملايين فرص العمل، فضلًا عن تحسين ميزان المدفوعات عبر تقليل الواردات الغذائية وزيادة الصادرات الزراعية.
التوسع فى نظم الرى الحديثة
ونوه الأستاذ بمركز البحوث الزراعية، إلى أن محور ترشيد استخدام المياه يعتمد على تطبيق نظم الرى الحديثة مثل الرى المحورى والرش والتنقيط، بالإضافة إلى المشروع القومى لتبطين الترع ضمن مبادرة “حياة كريمة”، بما يسهم فى تقليل الفاقد ورفع كفاءة الرى الحقلى.
واختتم كمال تصريحاته، بأن الدولة تحدد المساحات المنزرعة من الأرز نظرًا لاستهلاكه المرتفع للمياه، مع التوسع فى استنباط أصناف قصيرة العمر وأقل استهلاكًا للمياه، إلى جانب الحد من زراعة المحاصيل الشرهة للمياه مثل الموز وقصب السكر، ومنع استخدام الرى بالغمر فى الأراضى الجديدة، مؤكدًا أن الدولة تركز على تطوير أصناف زراعية تتحمل الظروف المختلفة وتستهلك كميات أقل من المياه.






