د. صلاح عبية رئيس المعاهد البحثية بمدينة زويل: الأبحاث.. خط الدفاع الأول ضد السرطان والأمراض المُعدية
شيماء عدلى
حدّدت الدولة الجهات التنفيذية الرسمية لمشروع الجينوم المصرى القومى، نظرًا لطبيعته الاستراتيجية المرتبطة بالصحة والأمن القومى، وذلك حسب ما أكده الأستاذ الدكتور صلاح عبية، نائب الرئيس التنفيذى للبحث العلمى، المدير المؤسس لمركز الفوتونيات والمواد الذكية، ورئيس المعاهد البحثية بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا والابتكار، فى تصريحاته لجريدة «روزاليوسف» مشددًا على أن مدينة زويل ليست ضمن الجهات التنفيذية المباشرة للمشروع، لكنها تقوم بدور محورى فى أبحاث الجينوم منذ سنوات، ضمن منظومتها البحثية المتكاملة.
وبالنسبة لأهمية أبحاث الجينوم، فيشدد على أنها تمثل ركيزة أساسية داخل المدينة من خلال مركز علوم الجينوم Center for Genomics التابع لمعهد حلمى للعلوم الطبية، الذى أُنشئ عام 2012 برؤية وضعها الراحل الدكتور أحمد زويل لتعزيز الدور الريادى لمصر فى هذا المجال، منوهًا إلى أن المركز يهدف إلى فهم الأسس الجينية للأمراض وتطوير تطبيقات تشخيصية وعلاجية متقدمة، بما يدعم مستقبل الطب الدقيق والعلاج الموجّه.
“عبية” يوضح أن المركز يُعد منصة بحثية متعددة التخصصات، تجمع بين علوم الطب الحيوى، وعلم الوراثة، والبيولوجيا الجزيئية، والعلوم الحاسوبية، والميكروبيولوجيا، لدراسة ديناميكيات الجينوم وعلاقتها بالأمراض باستخدام أحدث التقنيات المتقدمة، بما يسهم فى دفع حدود المعرفة فى هذا المجال الحيوى.
ويضيف: المركز يعمل على عدد من الملفات البحثية المرتبطة مباشرة بصحة الإنسان، من بينها دراسة الجينات المرتبطة بمقاومة الخلايا السرطانية، خاصة إنزيمات إصلاح الحمض النووىDNA Repair Enzymes، التى فتحت آفاقًا جديدة لتطوير علاجات موجهة لسرطان القولون، إلى جانب أبحاث تتعلق بالاستجابة الجينية للعلاج والأمراض الوراثية المزمنة، لافتًا إلى أنه عقب جائحة كورونا، وسّع المركز نطاق اهتماماته ليشمل الأمراض المعدية، مع التركيز على تحويل الأبحاث الأساسية إلى تطبيقات عملية تُحسن من تشخيص هذه الأمراض وعلاجها والوقاية منها.
ويعتمد المركز على تقنيات التسلسل الجينومى عالى الإنتاجية لفهم التفاعل بين الميكروبات والخلايا المضيفة وآليات الدفاع المناعى، بما يُمكّن من تحديد أهداف علاجية جديدة وتطوير استراتيجيات أكثر فعالية لمكافحة العدوى.
ونجح المركز خلال السنوات الأخيرة فى بناء مجموعة من الشراكات الصحية الاستراتيجية ذات التأثير الإقليمى والدولى، من أبرزها الانضمام إلى المجلس الاستشارى العلمى للشراكة الأوروبية «الصحة الواحدة» (EUAMR) المعنية بمقاومة مضادات الميكروبات، حيث يسهم المركز فى وضع الأولويات الاستراتيجية ودعم مبادرات متعددة القطاعات لمواجهة هذا التحدى العالمى المتصاعد.
كما يُعد المركز عضوًا مؤسسًا فى الشبكة العالمية للصحة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهى مبادرة تضم 18 شريكًا دوليًا، وتهدف إلى تعزيز البحث العلمى والتعليم وصياغة السياسات الصحية فى المنطقة ضمن إطار متكامل يربطها بالمنظومة الصحية العالمية، إذ يؤكد هذا التراكم قدرة المدينة على التحول من مركز بحثى محلى إلى منصة علمية مؤثرة إقليميًا ودوليًا، قادرة على المساهمة الفاعلة فى مواجهة التحديات الصحية العالمية.
“عبية” يلفت إلى أن مركز الجينوم يعمل فى إطار من الشراكات والتعاونات الدولية، من بينها التعاون مع جامعات عالمية مرموقة مثل كامبريدج وأكسفورد وبرمنجهام، وكلية لندن للصحة والطب الاستوائى، وجامعة ريجينا بكندا، بما يعزز الأبحاث ويربط البحث العلمى المحلى بأحدث التطورات العالمية، علاوة على أنها تشمل مجالات البحث داخل المركز البيولوجيا التطورية، والجينوم التطورى، وتطبيقات الذكاء الاصطناعى فى تحليل البيانات الجينية، وهى مجالات أصبحت تمثل قلب الطب الحديث.
ويشدد على أن نجاح مشروع الجينوم المصرى لا يرتبط فقط بالمؤسسات المنفذة رسميًا، بل يتطلب شبكة متكاملة من الجامعات والمراكز البحثية القادرة على إنتاج المعرفة وتأهيل الكوادر العلمية، مؤكدًا أن الجامعات البحثية مثل مدينة زويل تمثل الذراع العلمية الداعمة لهذا المشروع على المدى الطويل.
ويختتم عبية: امتلاك قاعدة بيانات جينية مصرية مستقلة لم يعد رفاهية علمية، بل ضرورة وطنية ترتبط بالأمن الصحى، خاصة أن الاعتماد على قواعد بيانات أجنبية لا يعكس بدقة الخصائص الوراثية للمجتمع المصرى، ما قد يؤثر على كفاءة التشخيص والعلاج، مؤكدًا أن مستقبل الطب لن يعتمد فقط على التشخيص التقليدى، بل على فهم الخريطة الجينية لكل مريض، وأن الجامعات البحثية ستكون اللاعب الأهم فى هذه المرحلة، حيث لم يعد الجينوم مجرد مجال علمى، بل مشروع وطنى متكامل يرتبط بالصحة والاقتصاد.






