السبت 3 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

مصريون علموا العالم الوسطية .. الليث بن سعد (4)








 
 
كل أهل مصر ينتقدون عثمان بن عفان حتى نشأ فيهم الليث فحدثهم بفضائله
 
 
 
لم يرد سائلاً.. وكان يطعم الناس بعسل النحل وسمن البقر فى الشتاء.. واللوز والسكر فى الصيف
 
 
 
عاش عيشة متزنة بعيدا عن الانفعالات فتمتع بشباب طويل
 
 
 
 
 
 
من جميل تجليات الله تعالى على أئمة الفقه أنهم كرماء،  ولقد كان الكرم صفة ظاهرة من صفات الإمام  أبى حنيفة رضى الله عنه، لقد كان ورعا يضرب بورعه الأمثال، وكان كريما سخى النفس، سخى اليد، وكان يكسب حياته من التجارة.
وكان الإمام مالك سخيا، كريم النفس، كريم اليد، وكان تاجرا يقبل عليه الناس لصدقه وأمانته.
وكان الإمام الشافعى كريما لا يقبل ولا يذر رغم فقره، وكذلك كان الإمام محمد بن الحسن الشيبانى.
ومن أكثر الناس ثراء وكرماً الإمام الربانى الزاهد عبدالله بن المبارك، وكان كريما بالنسبة لكل محتاج ويرى أن الإنفاق على أهل العلم من أنفس وجوه الإنفاق.
ولا نجد شبيها لعبدالله بن المبارك فى ثرائه العريض، وكرمه الواسع، إلا الليث بن سعد.
وقد اختلفت الروايات فيما يتعلق بدخله السنوى وتراوحت الروايات فيما بين عشرين ألف دينار ومائة ألف دينار، ونرى أن هذا الاختلاف مرده إلى فترات من حياته، فهى تعبر مثلا عن دخله فى مقتبل عمره، وعن دخله بعد لقائه بهارون الرشيد، وهكذا، ولكن الروايات الكثيرة التى تتحدث عن دخله الواسع تذكر كلها تقريبا أنه لم يكن يدخر من دخله شيئا، بل يذكر الكثير منها أنه فى آخر العام يكون مدينا، ولهذا تذكر هذه الروايات أنه لم تجب عليه الزكاة قط فى ماله، فما كان  يحول الحول على شىء منه باق مخزون.
يقول شعيب بن الليث: قال أبى:
ما وجبت على زكاة هذه الروايات التى تتحدث عن كرمه.
ونبدأ بما كان بينه وبين مالك:
لقد كان مالك كريما واسع الكرم كما ذكرنا، ولكرمه هذا كان  أحيانا يكون فى حاجة للمال لينفق منه، ويكرم منه، فكان يكتب إلى الليث، وكان الليث يلبى حاجة مالك سواء أكتب إليه مالك إليه أم لم يكتب؟
يقول ابن وهب:
«كان الليث بن سعد يصل مالك بن أنس بمائة دينار فى كل سنة، فكتب مالك إليه: إن عليه دينا فبعث إليه بخمسمائة دينار».
ويقول أبو صالح كاتب الليث:
كنا على باب مالك بن أنس فامتنع علينا -أى احتجب- فقلنا:
ليس يشبه هذا صاحبنا.
قال: فسمع مالك كلامنا، فأمر بإدخالنا عليه، فقال لنا: من صاحبكم؟ قلنا: الليث بن سعد، قال: تشبهونى برجل كتبت إليه فى قليل عصفر نصبغ به ثياب صبياننا، فأنفذ إلينا منه ما صبغنا به ثياب صبياننا، وثياب جيراننا، وبعنا الفضل بألف دينار، ويقول قتيبة بن سعد: سمعت ابن الليث يقول:
خرجت مع أبى حاجاً، فقد المدينة، فبعث إليه  مالك بن أنس بطبق رطب، قال فجعل على الطبق ألف دينار، ورده إليه، ويروى ابن حجر ما يلى:
وقال أبو حاتم بن حبان:
كان الليث لا يتردد إليه أحد إلا أدخله فى جملة عياله ما دام يتردد إليه، ثم إن أراد الخروج زوده بالبلغة إلى وطنه، وقال عباس بن محمد الدورى: سمعت يحيى بن معين:
كان الليث يصلى فى المسجد كل صلاة يجىء على فرسه، فكان له مجلس يجلس فيه قربة يحيى بن أيوب، فغمزه، فقام معه، فسأله عن مسألة فأجابه، فبعث إلى بمائة ألف دينار.
 وقال الترمذى: سمعت قتيبة يقول:
كان الليث فى كل صلاة يتصدق على ثلاثمائة مسكين.
وقال أشهب:
كان الليث لا يرد سائلا، وكان يطعم الناس الهرائس بعسل النحل وسمن البقر فى الشتاء، وفى الصيف بشىء من اللوز والسكر.
وحدث إسحق بن إسماعيل قال: سمعت محمد بن رمح يقول: «كان دخل الليث فى كل سنة ثمانين ألف دينار ما أوجب الله عليه درهماً قط بزكاة».
ويروى منصور بن عمار الواعظ المشهور القصة الطريفة الآتية: كان الليث إذا تكلم رجل فى المسجد الجامع أخرجه، قال: فلما دخلت تكلمت فى الجامع، فإذا رجلان قد دخلا فأخذا بى فقال: أجب أبا الحارث، قال: فذهبت وأنا أقول: واسوأتاه، أخرج من البلد هكذا، قال: فلما دخلت على الليث سلمت، فقال: أنت المتكلم فى المسجد؟
قلت: نعم، قال: أعد على ما قلت:
قال: فأعدته، فرق الشيخ وبكى، فقال: ما اسمك؟
قلت: منصور بن عمار، قال: أبو السرى؟
قلت: نعم.
فدفع إلى كيساً وقال: صن هذا الكلام عن أبواب السلاطين، ولا تمدحن أحداً من المخلوقين بعد مدحك لرب العالمين، ولك على فى كل سنة مثلها.
وكان الليث يواسى الغرباء والمحتاجين حتى وإن لم يكونوا محتاجين، يقول أسد بن موسى:
كان عبد الله بن على يطلب بنى أمية فيقتلهم، فرحلت إلى مصر فدخلتها فى هيئة رثة، فدخلت على الليث، فلما فرغ المجلس خرجت فتبعنى خادم فقال: اجلس حتى أخرج إليك، فجلست حتى خرج وأنا وحدى، فدفع لى صرة فيها مائة دينار وقال: يقول لك الليث: أصلح بهذه النفقة أمرك، ولم شعثك، وكان معى فى حجرتى ألف دينار فأخرجتها له وقلت: استأذن لى على الشيخ، فدخلت فأخبرته بنسبى، فقال، إنها صلة وليست صدقة، واعتذرت إليه عن قبول صلته، وقلت: أكره أن أدعو نفسى عادة وأنا عنها غنى، قال: فادفعها إلى بعض أصحاب الحديث ممن تراه مستحقاً لها، فلم يزل بى حتى أخذتها ففرقتها فى جماعة.
وكان يعين على نوائب الحق، يقول قتيبة بن سعيد: «ولما احترقت كتب ابن لهيعة إليه الليث بن سعد كاغدًا بألف دينار».
وجاءت امرأة إلى الليث فقال:
يا أبا الحارث، إن ابنا لى عليل واشتهى عسلاً، فقال، يا غلام، أعطها مرطاً من عسل، والمرط عشرون ومائة رطل، وكان مع المرأة إناء صغير الحجم، فلما رآه كاتب الليث راجع الليث قائلاً، إنها تطلب قليلاً من العسل، فقال الليث. إنها طلبت على قدرها ، ونحن نعطيها على قدرنا، وأمره أن يعطيها المرط.
ومن أجمل أنواع الكرم الليثى ما تعبر عنه القصة التالية التى يرويها الحارث بن مسكين يقول:
اشترى قوم من الليث بن سعد ثمرة فاستغلوها، فاستقالوه فأقالوهم، ثم دعا بخريطة فيها أكياس، فأمر لهم بخمسين ديناراً، فقال له «الحارث» ابنه فى ذلك، فقال: اللهم غفراً إنهم قد كانوا أملوا فيه أملاً، فأحببت أن أعوضهم من أملهم بهذا.
أما أسفار الليث فى نهر النيل من القاهرة إلى الإسكندرية وبالعكس، فإنها تصور عادات جميلة، وندع لأبى رجاء قتيبة الحديث عنها، قال:
قفلنا مع الليث بن سعد من الإسكندرية، وكان معه ثلاث سفائن، سفينة فيها مطبخه، وسفينة فيها عياله، وسفينة فيها أضيافه، وكان إذا حضرته الصلاة يخرج إلى الشط فيصلى، وكان ابنه شعيب امامه، فخرجنا لصلاة المغرب، فقال: أين شعيب فقالوا: حم، فقام الليث فأذن وأقام ثم تقدم فقرأ، «والشمس وضحاها»، فقرأ، «فلا تخاف عقباها»، وكذلك فى مصاحف أهل المدينة يقولون: هذا غلط من الكاتب عند أهل العراق،  ويجهز ببسم الله الرحمن الرحيم، ويسلم تسليمه تلقاء وجهه.
كان الليث يعيش عيشة متزنة سوية، وكان بعيداً عن الانفعالات، ومن أجل ذلك تمتع بشباب طويل، قال أبو رجاء:
وكان الليث أكبر من ابن لهيعة، ولكن إذا نظرت إليهما تقول: ذا ابن وذا أب، يعنى ابن لهيعة الأب.
قال ابن بكير. سمعت الليث بن سعد كثيراً ما يقول:
أنا أكبر من «ابن لهيعة»، فالحمد لله الذى متعنا بعقلنا، وكان لهذه الحياة السوية نظام رتيب لا يكاد يتخلف يصفه أشهب بن عبد العزيز يقول:
كان الليث له كل يوم أربعة مجالس يجلس فيها، أما أولها فيجلس لنائبه السلطان فى نوائبه وحوائجه، وكان الليث يغشاه السلطان، فإذا أنكر من القاضى أمرًا أو من السلطان كتب إلى أمير المؤمنين فيأتيه العزبل ويجلس لأصحاب الحديث وكان يقول: نجحوا أصحاب الحوانيت فإن قلوبهم معلقة بأسواقهم ويجلس للمسائل يغشاه الناس فيسألونه ويجلس لحوائج الناس لا يسأله أحد من الناس فيرده كبرت حاجته أو صغرت، قال: وكان يطعم الناس فى الشتاء الهرايس بعسل النحل وسمن الققر وفى الصيف سويق اللوز بالكسر وينعكس هذا الاتزان على حياته الفكرية ومن أمثلة ذلك ما يقوله عثمان بن صالح قال:
كان أهل مصر ينتقصون عثمان حتى نشأ فيهم الليث بن سعد فحدثهم بفضائل عثمان فكفوا عن ذلك وكان أهل حمص ينتقصون عليا حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عياش فحدثهم بفضائله فكفوا عن ذلك.
وبعد، فيقول شعيب بن الليث عن أبيه قال:
لما ودعت أبا جعفر ببيت المقدس قال: أعجبنى ما رأيت من شدة عقلك والحمد لله الذى جعل فى رعيتى مثلك.
قال شعيب: وكأن أبى يقول: لا تخبروا بهذا مادمت حيا.
هذا هو الليث تثقف كزسن ما تكون الثقافة واستمر يدرس ويبحث إلى زخر حايته وسارت به الحياة فى اتزان تام فطالت به فترة الشباب وفترة الصحة وكان شهما كريما بالنسبة للقريب وللبعيد وآثر مكارم الأخلاق طيلة حياته.
ولكنه كان من قبل ذلك ومن بعده: محدثا وفقيها.
***
* من تراث الشيخ عبدالحليم محمود شيخ الأزهر الراحل