السبت 3 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

ما تقولش مات اسمه الشهيد

«الوصية».. سيرة مسرحية توازى «الاختيار» و«الممر» على المسرح القومى

«أحبك يا أبي..يا أغلى من حياتي..سامحنى يا أبى على أى خطأ..كنت ظالما لنفسي..أخطاء كثيرة..سامحنى.. الصبر الصبر».. بتلك الكلمات ودع الشهيد محمد المعتز رشاد أباه، كلمات مؤثرة كتبها بخط يده فى كراسته التى كان يدون بها يومياته فى معسكره بشمال سيناء، أوصى زميله أن يسلم هذا الكشكول لأبيه بعد استشهاده، عن هذه الوصية وسيرة هذا الشهيد البطل دارت أحداث العرض المسرحى «الوصية» على خشبة المسرح القومى، فى مزيج من المتعة والألم والشعور بالذنب..مشاعر متناقضة ومختلطة تسيطر على كل من يشاهد العرض الذى يقدم ضمن مبادرة إعرف جيشك التى تتبناها وزارة الثقافة بقيادة الدكتورة إيناس عبد الدايم، 



حيث سبق وأن قدم خلالها أكثر من عمل مسرحى، لكن يعتبر «الوصية» بين هذه الأعمال الأكثر تميزا مقارنة بما سبقه من اعمال فى نفس الإطار، تميز على المستوى الفنى ومستوى القصة التى اختارها المخرج خالد جلال والمؤلف أيمن سلامة لإحياء سيرة هذا البطل وابيه، التى لا تقل قيمة وثقل عن مسلسل «الاختيار» الذى قدم خلال شهر رمضان الماضي، فإذا كان الاختيار العمل الدرامى الأكثر قيمة فى تناوله لقصص هامة عن سير شهداء القوات المسلحة فإن الوصية المعادل المسرحى الموازى لنفس السياق الفنى. «الوصية» إخراج خالد جلال وتأليف ايمن سلامة تناول قصة الشهيد محمد المعتز رشاد نجل الطبيب المعتز رشاد، والتى تعتبر قصة فارقة ضمن قصص وحكايات الشهداء، لم يضف إليها المؤلف أبعاداً درامية أكثر مما تحتمل، منحته القصة الرئيسية مادة غير متكررة، فقد كان القدر أكثر درامية من خيال المؤلف أو المتلقى، حدث بالفعل أن استشهد محمد المعتز رشاد بعد ضرب مدرعته فى رفح توفى مع القائد ومجموعة من زملائه، لكنه لم يلق حتفه ساعة الانفجار بل ذهب إلى مستشفى المعادى العسكرى كى يراه أبوه فى مفاجأة مدوية مثخنا بالجراح، لعب القدر لعبته حين وجد الرجل ابنه كى يجرى له العملية بنفسه ويتوفى بين يديه، من قصة بطولة عظيمة لأب وابنه انطلق المؤلف ايمن سلامة لكتابة وسرد وقائع حقيقية فى عمل مسرحى شديد المتعة والعذوبة والألم، ثبت المؤلف والمخرج خالد جلال الحدث الذى انطلقت منه وقائع القصة، حيث بدأ من حيث انتهت الحكاية، من غرفة العمليات التى يتابع فيها الأطباء حالة الشهيد الذى يتذكر على فراش الموت كل أحداث حياته فى لحظة فارقة من عمره، يتذكر والده الذى أخفى عنه ذهابه إلى رفح، ومشروع تخرجه بالفيلم التسجيلى «سيناء أرض السلام» بكلية الإعلام وفرحة ابيه وإخوته وخطيبته به ثم والدته المتوفية التى تلازمه فى خياله يحدثها بكل ما يجول بخاطره، حالة من التتابع وتكثيف المشاعر فى ساعة زمن واحدة استطاع المؤلف ان يحيى داخلنا مشاعر حزن عميق وشعور بالذنب كبير تجاه كل من ضحى بحياته وعائلته وسعادته فى سبيل أن نحيا جميعا فى أمان ورغد من العيش، بجانب احياء الرغبة فى مشاركة هؤلاء ما يفعلونه من أجل الوطن وحب الشهادة فى سبيل الله وتمنى حمل السلاح ونيلها معهم، يمنح العرض درسا فى كيف يحيا إنسان بمنطق التخلى عن كل شيء فى سبيل الفوز بحياة أخرى آمن بها وحركه يقين لا يتزعزع فى الشوق إليها، كل هذه المشاعر التى كثفها المخرج والمؤلف فى وقت قصير لكنها أحيت بداخلنا مجد طويل لهؤلاء الشهداء.

من حدث درامى ثابت من بداية العرض وحتى نهايته تدور وتلتف حوله الذكريات التى استدعها الجندى الشهيد على فراش موته، يبدأ من نيله التكريم على مشروع تخرجه بالجامعة ثم لقائه بوالده وخطيبته وأخته وأخيه واستعراض حالة الترابط العائلى والأسرى التى كان يحياها هذا الشاب ونحن نتابع فى نفس اللحظة حركة الأطباء وحيرة الممرضة التى إكتشفت من الكشوفات اسم الجريح الذى يرقد فى غرفة العمليات، وحين تأكدت من كارثة أن والده هو من سيجرى له العملية اهتزت وارتبكت ولم تجرؤ على مصارحة الطبيب بما ينتظره من قدر وألم داخل تلك الغرفة، صمم المهندس محمد غرباوى ديكور فى مستويين مستوى علوى متمثل فى غرفة العمليات التى تشهد أحداث اللقاء الأليم والوفاة والتى تنطلق منها وإليها أحداث العمل المسرحي، كان له دور كبير مع إضاءة ابو بكر الشريف فى الذهاب والعودة بنا فى انتقال رشيق بين وقوع الحادث والذكريات المصاحبة له منذ التحاق محمد المعتز رشاد بالجيش ورغبته الشديدة ومطالبته بالذهاب إلى شمال سيناء ورجاءه للضابط المسئول عن كتيبته بالا يعلم اباه شيئا عن هذا الخبر حتى عندما تم تكريمه بالقوات المسلحة بعد جسارته فى صد إحدى العمليات الإرهابية طالب بعدم إذاعة هذا التكريم أو نشره بالصحف حتى لا يعلم ابيه سره، تتلاحق وتتابع وتتوازى هذه الأحداث معا فى لحظة واحدة فى قالب مسرحى شديد المتعة والواقعية، ففى هذا العرض عايش الجمهور حقيقة وليس مجرد محاكاة لقصة درامية، مع الإنتصار لحساسية الفن والإبداع التحمت عناصر العرض لتخرج لنا فى قالب فنى متكامل دون الوقوع فى فخ الدروس او المواعظ وطنية، انتصر هنا المخرج للفن لإعلاء قيمة الشهادة فى حب الوطن، وبالتالى ينتهى العرض والجمهور محملا بمشاعر الحزن الكبير من وقائع هذه الحقيقة، لم يغادر أحد المسرح القومى إلا وهو باكيا آسفا على ما شاهده داخله، نجح العرض وصناعه فى ترك أثر كبير لن يمحى من وجدان جماهيره فى وقت قصير لم يتجاوز الساعة.

حمل العمل فى مجمله هالة من النور والسكينة رغم ما تناوله من قصة مؤلمة حزينة، وكأن روح المعتز رشاد هامت وأحاطت حول المسرح القومي، تفوق الممثلون جميعا فى أداء أدوراهم بهذا العمل المسرحى الإستثنائي، مس نجوم العرض سحر الجهاد وروح الحقيقة وصدق المشاعر التى كانت تحيط هذا الشاب ووالده، كان الفنان أحمد فؤاد سليم فى دور الأب الطبيب بسلاسته المعهودة واقتدراه الكبير على منح الأدوار صفة حقيقته الشخصية وكأنه هو هذا الأب وليس مجرد فنان يؤدى دوره، وكذلك الفنانة سميرة عبدالعزيز فى دور الأم، وميدو عادل فى دور محمد المعتز أدى ميدو دوره بتلقائية وإقبال كبير أخذ من خفة روح البطل ليحيها لنا على المسرح من جديد، ثم محمود حافظ فى دور صديقه بالمعسكر المتردد فى الذهاب معه إلى سيناء بخفة ظله وبساطته استطاع محمود أن يمنح العمل بهجة صنعت حالة توازن مع الشجن الذى حمله العرض، بمصاحبة الضابط محمد اشرف الذى لعب دوره بمهارة واقتدار حسن عبد الله بظهوره أضفى حزم العسكرية والصرامة وكأننا انتقلنا معه ومعهم إلى الكتيبة بشمال سيناء، اجتمع الثلاثى فى لحظات فارقة كى ينقلوا لنا بصدق وإخلاص حقيقة ما عاشه هذا الشهيد البطل بين لحظات كوميدية خفيفة تعكس عمق ومرونة العلاقة بين القائد وعساكر الكتيبة ولحظات الألم والنصح التى يعيشها هؤلاء، فى دقائق قليلة استطاع المخرج وهؤلاء الممثلون ان ينقلوا لنا حميمية وخصوصية العلاقة بين الجنود وقادتهم، لم تكتمل متعة العمل سوى بكتيبته الملتفة حوله بنفس درجة المهارة والإقبال والصدق والإخلاص حتى ولو لم تتجاوز ادوراهم بضع سطور ودقائق معدودة كانت بسنت صيام فى دور الممرضة والتى استطاعت اثبات وجودها فى لحظات الكوميديا والألم وكذلك مريم الجندى فى دور الطبيبة المعالجة ورأفت زين فى دور الطبيب المصاحب فى غرفة العمليات ومحمد دسوقى الطبيب الصديق الذى يحاول الشد من عزم والده قبل دخوله غرفة العمليات وألحان المهدى فى دور خطيبة الشهيد ومايا ماهر فى دور اخته تسنيم وخالد الشامى فى دور أخيه أحمد ورحاب نصر ومجدى عبد الظاهر برغم صغر حجم الأدوار وكثافة عدد الممثلين إلا أنها بدت كبيرة فى عيون الجمهور فكل منهم كان بطلا فى موقعه، ثم اكتملت هذه السيمفونية المسرحية بمقاطع غناء للمطربة القديرة مى فاروق صاحبة الصوت الشجى العذب والتى تغنت بأشعار رفيعة والحان موسيقية تحيى قيمة الشهادة والحب والوطن للكاتب والشاعر محمد بهجت «الله يبارك فى العيون السهرانين»، «الحب» مع الحان المهدى وميدو عادل، «يا سينا يسلم احبابك»، وأخيرا يختتم العرض بأشد الأشعار قوة وتأثيرا «ما تقولش مات اسمه الشهيد..عمره من اليوم ابتدا وسط الملايكة عريس جديد..الله ناداه لبى الندا»..»الوصية» ديكور محمد الغرباوي، الحان احمد كيكار، اضاءة ابو بكر الشريف، استعراضات مجدى صابر، أزياء هالة الزهوي، تأليف أيمن سلامة وإخراج خالد جلال، مخرج منفذ علا فهمى.