الأربعاء 7 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

رسائل النيل

تكثف مصر والسودان، وبتنسيق رفيع، من الاتصالات الدبلوماسية الخارجية للحشد الدولى بشأن عدالة موقفهما فى قضية مفاوضات سد النهضة، ولإطلاع المجتمع الدولى بالإصرار الإثيوبى «العدائى» على الملء الثانى للسد دون أن يكون هناك اتفاق قانونى مشترك، وهو ما يمثل خطرا حقيقيا على حصة دولتى المصب من نهر النيل.



اتصالات القاهرة والخرطوم الدولية، استهدفت فى الأساس بعث رسائل واضحة ومحددة من شعبى «وادى النيل» للمجتمع الدولى والمنظمات الإقليمية والدولية، بشأن مسار المفاوضات على مدار عشر سنوات، ومخاطر الملء الثانى للسد على مصر والسودان. الحشد الدولى والدبلوماسى لقضية السد، كان واضحا الأسبوع الماضى فى جولة أفريقية لوزير الخارجية سامح شكرى شملت 7 دول أفريقية وهي: كينيا - جزر القمر - جنوب افريقيا - الكونغو الديمقراطية - النيجر - السنغال – تونس، وأهمية هذه الدول تأتى كونهم أعضاء فى هيئة مكتب الاتحاد الافريقى، ومن بينهم الأعضاء غير الدائمين بمجلس الأمن الدولي، فضلا عن كونهم يمثلون المناطق الجغرافية الخمس  لأفريقيا.

وزير الخارجية سلم رسائل موجهة من الرئيس عبدالفتاح السيسى لقادة هذه الدول بشأن تطورات قضية السد، وقدم عرضا وافيا لرؤساء الدول السبع حول ما دار فى اجتماعات كينشاسا يومى 4 و5 إبريل الجارى بشأن سد النهضة، وموقف مصر وما أظهرته من إرادة صادقة، أملًا فى أن تؤدى إلى إطلاق مسار تفاوضى جاد يُسفر عن اتفاق قانونى مُلزم حول ملء وتشغيل سد النهضة.

التحركات الدبلوماسية المصرية فى إفريقيا جاءت بعد أيام من تحرك مماثل فى المنظمات الدولية، ووجّه وزير الخارجية خطابات إلى كل من سكرتير عام الأمم المتحدة، ورئيس مجلس الأمن، ورئيس الجمعية العامة، وطلب تعميمها كمستند رسمى تم من خلاله شرح جميع أبعاد ملف سد النهضة ومراحل التفاوض المختلفة.

فى نفس الوقت، جاءت تحركات شعبية من الجاليات المصرية فى عواصم العالم، حيث أطلق المصريون فى الخارج حملة عالمية بعنوان «قدها وقدود» لدعم وتأييد إجراءات الدولة فى التعامل مع القضية.

وأعدت الجاليات المصرية بالخارج 7 فيديوهات بـ7 لغات مختلفة منها الإنجليزية والألمانية والفرنسية والروسية، للتحدث عن أحقية مصر فى مياه نهر النيل».. كما قامت بعض الجاليات بوقفات منها وقفة الكيانات المصرية فى أوروبا بإيطاليا دعما لموقف مصر.

 

لماذا تغير موقف السودان

 

التحركات الدبلوماسية المصرية بخصوص سد النهضة الإثيوبى تزامنت معها تحركات سودانية مماثلة، حيث تعددت اتصالات وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدى مع سفراء الدول الإفريقية أعضاء الاتحاد الإفريقى بالسودان، مع سفراء الاتحاد الاوروبى وامريكا، كما أعلنت عن جولة إقليمية وأفريقية لشرح وجهة النظر السودانية تجاه السد. وخلال اجتماع رئيس الوزراء السودانى عبدالله حمدوك باللجنة العليا لمتابعة ملف سد النهضة بداية الاسبوع، تحدث عن 4 سيناريوهات يتحرك بشأنهم السودان بخصوص أزمة السد، أولها التمسك بالموقف التفاوضى واتخاذ اجراءات فنية فى سد الرصيرص وفى جبل أولياء كاجراء استباقى قبل موسم الفيضانات حتى لاتتكرر أزمة فيضانات العام الماضي، هذا بجانب الاجراءات القانونية والحشد الدبلوماسى والسياسي.

واستخدم وزير الرى السودانى، ياسر عباس، لهجة تصعيدية تجاه السد، مؤكدًا أن بلاده سترفع دعوى قضائية ضد شركة سالينى الايطالية المنفذه لمشروع السد وأيضا الحكومة الإثيوبية، حال قامت بالملء الثانى دون التوصل إلى اتفاق ملزم أو الذهاب إلى مجلس الأمن.

والمراقب لموقف السودان خلال الأشهر الاخيرة، يلاحظ تصعيدا ثابتا من قبل الخرطوم بشأن قضية السد، وتمسك بضرورة الوصول لاتفاق قانونى ملزم بشأن السد، على عكس أصواتا مختلفة كانت تصدر من الخرطوم خصوصا فى عهد البشير، منها مثلا تصريحات سابقة لوزير الرى السودانى فى فبراير 2020 كان يتحدث فيها عن فوائد السد فى حساب تدفق المياه بنهر النيل وفوائده الزراعية. 

لكن السودان بات أكثر تشددا فى ملف سد النهضة، وهو ما فسره دبلوماسى سوداني، بأن مخاطر السد على السودان اتضحت جليا العام الماضى فى موسم الفيضانات بعد قيام إثيوبيا بالملء الاول للسد؛ مما تسبب  فى جفاف محطات مياه فى بعض المناطق وبعد فتح المياه بمجرى النهر تسبب ذلك فى غرق أكثر من 30 ألف منزل.

والموقف هذا العام أكثر خطورة، ليس على مستوى انخفاض منسوب المياه فى مجرى النيل، ولكن على مستوى الخسائر البشرية، ذلك أن وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدى تحدثت عن احتمالية غرق 20 مليون سودانى إذا ما تكرر نفس الموقف هذا العام فى موسم الفيضانات من الجانب الإثيوبي.

هذا فضلا عن أزمة التوتر الحدودى مع إثيوبيا، وتداعياتها الانسانية والأمنية فى الشرق السوداني.

 

حق الدفاع الشرعى

 

واعتبر السفير صلاح حليمة نائب رئيس المجلس المصرى للشئون الإفريقية، أن الاتصالات والتحركات الدولية لمصر والسودان تأتى بتنسيق ثنائى مشترك، بهدف حث المجتمع الدولى لممارسة ضغوط قوية على إثيوبيا للتوصل لاتفاق قانونى ملزم شامل حول السد، خصوصا أن عامل الوقت يشكل ضغطا على دولتى المصب قبل شروع اثيوبيا فى الملء الثاني.

وقال إن مصر والسودان لجا لمجلس الأمن لتجنب أى ضرر قد يحدث عليهما، هذا بجانب عامل الأمان الذى لم يتم تنفيذه وفقا للمعايير الدولية، وهو ما يشكل خطرا آخر على السودان.

وقال أن مخاطر السد الإثيوبى المتوقعه، تشكل عدوانا حقيقيا على حياة المواطنين فى مصر والسودان، بل ويهدد لوجود ملايين الأشخاص، وفى حالة إذا ما أصر الجانب الإثيوبى على موقفه وبالتالى تعريض حياة الملايين خصوصا فى السودان للخطر، وقتها قد يأتى التحرك لمجلس الأمن للإطلاع بمسئوليته واستخدام مصر والسودان حق الدفاع الشرعى حماية لمواطنيهم، وهو ما يفسر تصريح الرئيس عبدالفتاح السيسى بأن كل الخيارات مفتوحة فى هذه القضية.

 

مبعوث أمريكى وأزمة الصراع العرقى 

 

بالتزامن مع هذه الأجواء، اختارت وزارة الخارجية الأمريكية الدبلوماسى المخضرم جيفرى فيلتمان مبعوثا خاصا لمنطقة القرن الإفريقي، ليعمل على ثلاثة ملفات أساسية هى سد النهضة وقضايا إقليم تيجراي، والتوتر الحدودى بين السودان وإثيوبيا.

اختيار فيلتمان، الذى يعكس ادارة بايدن بالوضع فى منطقة القرن الأفريقي، لكنه يرسم عددا من التساؤلات، حول مدى نجاح الوساطة الأمريكية فى حسم هذه الملفات الشائكة، خصوصا وأن وساطة إدارة ترامب مع البنك الدولى استطاعت أن تحقق 90% من الاتفاق بين الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا فى مفاوضات واشنطن، ثم عادت الأمور لنقطة الصفر مع رفض الجانب الإثيوبى التوقيع على الاتفاق.

واللافت فى نفس الوقت هو ما تشهده إثيوبيا من فصول جديدة من العنف والصراع العرقى الداخلي، ليمتد لأقاليم أخرى بجانب الوضع المآساوى فى إقليم تيجراى والمستمر منذ ستة شهور، فقد شهد إقليم بنى شنقول فى الغرب الإثيوبى والذى يقع به سد النهضة، صراعا مسلحا بين عرقيات الأورومو وبنى شنقول، تسبب فى تهجير الآلاف هناك.

ونفس الشىء فى إقليم الأمهرا الذى  شهد هجوما لمسلحين على سكان الأمهرة بنفس الأسبوع تسبب فى تهجير نحو 10 آلاف بهذه المنطقة واحتجاجات واسعة فى الإقليم، وكالعادة استخدم رئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد نظرية المؤامرة فيما يحدث من صراع عرقى داخلي.

وفسر السفير صلاح حليمة موقف الحكومة الإثيوبى فى ظل الوضع الداخلى المحتدم بأنها تستخدم قضية سد النهضة كورقة سياسية فى محاولة احتواء الصراعات العرقية، ومحاولة خلق جبهة صراع خارجية توحد العرقيات المختلفة، هذا بجانب اقتراب موعد الانتخابات الإثيوبية فى يونيو المقبل، حيث يستخدم آبى أحمد قضية السد لضمان استمراره فى منصبه.