الموت الإكلينيكى يصيب عيادات التأمين الصحى
روزاليوسف اليومية
كتب ـ سمر عبدالله ـ دعاء سعد الدين ـ رحاب ممدوح
على الرغم من أن التأمين الصحى يكون باشتراك بسيط يدفعه المستفيد من أجل الحصول على الخدمة الطبية المناسبة، إلا أنه يعانى ما تعانيه المستشفيات الحكومية من إهمال وعدم اهتمام بالمرضى.
«روزاليوسف» تجولت فى العديد من مستشفيات التأمين الصحى والتقت العديد من المترددين على المستشفيات وكانت صرخاتهم المملوءة بالألم هى خير شاهد على معاناتهم مع التأمين الصحى.
ثلاثة أعوام أو أكثر لم يذهب فيها سيد حلمى الذى يعمل موظفًا فى شركة حكومية لتشكيل المعادن إلى التأمين الخاص به فى مستشفى النيل بشبرا الخيمة بسبب التفرقة فى التعامل بين المرضى فهو يأتى من بيته من الساعة الثامنة صباحًا آملاً أن يدخل بعد طابور من المرضى أمامه إلى الدكتور أو يمشى دون كشف ويتعطل عن عمله لك فهو يفضل العلاج على نفقته الشخصية، حيث توجد عناية أكثر واهتمام به، وأضاف سيد بأنه يأتى للتأمين لسبب واحد وهو أنه عندما يكون مريضًا لا تعترف الشركة التى يعمل بها بمرضه إلا بجواب من التأمين فهو قام بعملية جراحية فى المثانة قبل ذلك فى مستشفى خاصة وتغيب عن العمل أكثر من 15 يومًا فلما رجع بعد ذلك إلى عمله تم خصم هذه الأيام من مرتبه لذلك يضطر إلى اللجوء للتأمين.
وعندما تفقدنا حالات الإهمال داخل المستشفى وجدنا أحد المرضى الذى ينتظر منذ أكثر من 6 ساعات لإجراء الأشعة ويقول أن المعاملة سيئة وأنه لم يدخل حتى الآن واشتكى من تأخر وصول طبيب الأشعة حيث أنه يصل الحادية عشرة صباحًا فى حين أن موعده التاسعة صباحًا، وأضاف أن الأطباء يعاملون المرضى معاملة سيئة وبأسلوب سيئ، ومن جانبه أكد أحد المرضى الذى يذهب للتأمين لصرف الأنسولين أن الأدوية الموجودة بصيدلية المستشفى ليست بنفس كفاءة الأدوية الموجودة بالصيدليات الخارجية وأنه فى بعض الأحيان لا تتوافر الأدوية ويضطر إلى شرائها من خارج التأمين، واستطرد حديثه قائلاً أن معاملة الصيدلى سيئة وشاهدنا ذلك بعيننا حيث إنه يرفض صرف الدواء لأحد المرضى فقط لمجرد أن الرقم الذى كتبه الطبيب غير واضح ويدفعه ذلك إلى التأخر فى الحصول على الدواء الذى قد يكون والأسوأ من ذلك أن فى معمل تحاليل الدم يوجد الكثير من المرضى ينتظرون دورهم لعمل التحليل الذى يطلبه الدكتور منهم وعلى وجههم علامات الضيق بسبب الانتظار الطويل، وذكر أحد المرضى أنه أتى أكثر من مرة ويعود دون إجراء التحليل وذلك لأن جهاز التحليل معطل ويتساءل الرجل كيف لمستشفى كهذا أن يكون التحليل معطلا مما يعرض حياة الكثير للخطر!
أما عن نظافة المستشفى حيث أكياس القمامة المبعثرة على الأرض وصنابير المياه المليئة بالصدى فكيف يكون هذا المكان لمرضى على الرغم من وجود العديد من عمال النظافة أمام دور المياه فماذا يفعلون فى فترة عملهم!
أما فى مستشفى شبين القناطر العام فالحال لا تختلف عن مستشفى النيل بل أسوأ فهذا المستشفى الذى يضم نحو 36 قرية وكفر ليس مؤهلا لذلك فهناك تأخير فى صرف الدواء وعدم توافر للأدوية وكل طبيب يعمل حسب رغبته، كما أن المستشفى بحاجة إلى التطوير والكثير من الترميمات فدورات المياه غير آدمية وكذلك غرف المرضى غير نظيفة والأسرة التى بها أغلبها غير صالحة.
«اللى مش معاه فلوس هنا بيموت» جملة أخذ يرددها هشام عطية الذى أتى بشقيقته المريضة لمستشفى الساحل التعليمى وذكر أن الأطباء لا يهتمون بالحالات التى تأتى إلى المستشفى إلا بعد المشاجرة والزعيق مع الممرضين والأطباء وذكر أنه قد أتى إلى المستشفى قبل ذلك بابنه الذى يبلغ من العمر 4 سنوات ورفض المستشفى استقباله على الرغم من حالته الحرجة.
وفى قسم الاستقبال قابلنا خليل شكرى المصاب بكسر فى ذراعه اليسرى وطلب منه الطبيب أن يأتى بالدواء من صيدلية بالخارج ورفضه عمل الجبس له حتى يحضر المبلغ المطلوب، وأكد لنا معظم المرضى أن الأدوية يقومون بشرائها من الصيدليات الخارجية من أموالهم الخاصة متعجبين من هذا لأن هذا المستشفى حكومى وبالرغم من ذلك فإن كل شىء يتم بالمال إذا كان لديك المبلغ المطلوب ستعالج وإن لم يكن لديك ستموت من المرضى دون أن ينظر إليك أحد.
وبالحديث عن مستوى نظافة المستشفى نجد أنه لا توجد نظافة على الإطلاق سواء داخل غرف المرضى أو فى دورات المياه وفى الطرقات أيضا. فى كل دور يوجد دورة مياه للسيدات والرجال معا. وتأتى إلى المستشفيات حالات تحتاج إلى كرسى متحرك ولكن لعدم توافر هذه الكراسى يقوم أهالى المرضى بحمل المريض وينتظر المرضى وهم فى حالة حرجة بالساعة أمام المصعد لأخذهم إلى أماكن علاجهم. وأثناء زيارتنا لمستشفى الهلال وجدنا والد أحد المرضى تدعى إيمان جودة وهى مريضة وما زالت تعالج بالمستشفى وكانت حالتها هى وجود فجوة فى عظام قدمها وبحاجة إلى عظمة بمبلغ خمسة آلاف جنيه وعندما سألوا بالمستشفى وجدوا أنهم بعد أن يأخذوها بالتأمين الصحى ستتكلف ألف وخمسمائة جنيه وتتكلف المستشفى فقط أجرة الطبيب، وقال والدها إنه من المفترض أن ينتظر لمدة عام كامل حتى يجد لابنته سريرا لكى يحجز دوره لإجراء العملية المطلوبة حتى تستطيع الوقوق على قدميها ولأنه يعرف أحد الأشخاص العاملين بالمستشفى سهل له تقديم موعد العملية ويسأل نفسه ماذا كان سيحدث إن لم يكن لديه واسطة؟! كان سينتظر عاما كاملا، وقال إنه قبل أن يعرف أن العملية قد تأجلت دفع ثلاثة آلاف جنيه وحين تم تأجيلها طلب منه المستشفى أن يدفع ثلاثة آلاف جنيه مرة أخرى فقام بالشكوى ضد المستشفى فكيف له أن يدفع كل هذا لمجرد أن المستشفى هو من غير موعد العملية، وقال إنه يقوم بإجراء كل التحاليل من حسابه الخاص وليس من حساب المستشفى،
أما عن مستشفى الخازندار فكان هناك إضراب من الأطباء فماذا يفعل مريض حالته خطيرة أمام هذا الإضراب سوى أن يموت بمرضه؟
«الشكوى لغير ربنا مذلة» قال أبو سريع عشراف فى مستشفى «الدمرداش» يبلغ من العمر 75 عاما لديه ثمانية أولاد ليس لديه دخل شهرى ولا يملك حتى منزلا يقيم فيه فهو ينتقل من مكان إلى آخر بعدما يعجز عن سداد الإيجار فدخله لا يكفى إلا قوت يومه، يعانى من ذبحة صدرية حادة وضيق بالتنفس، يذهب للمتابعة بأحد المستشفيات العامة لصرف العلاج الذى لا يجده أحيانا وإذا وفرت له أثناء الإقامة فى المستشفى عندما يشتد الألم فيقيم أكثر من خمسة عشر يوما فى المستشفى ولكن عندما يخرج ويتعافى يطلب من الدكتور شراءه من الصيدليات الخارجية فى فترات المتابعة، كذلك يطلب منه أشعة وتحاليل كثيرة لا يستطيع عملها لأنه مخير إما أن يحصل على الأدوية مجانا أو الأشعة وليس كليهما.
أضاف أبو سريع: إن هذا جزء مما يعانى منه فهو لديه بنت تبلغ 23 عاما تعانى من مرض الذئبة الحمراء يعتمد العلاج فى هذا المرض على مضادات الالتهاب ومثبطات المناعة وهى مكلفة جدا بالنسبة له فقد كتب الدكتور لها علاجا بـ1400 جنيه كيف يستطيع شراءها؟
بالإضافة إلى ابنه محمود الذى يعالجه منذ خمس سنوات من سرعة الترسيب فى الدم فهو يضطر إلى شراء مستلزمات كثيرة يحتاجها الطبيب وهو غير متوفر مثل أكياس الدم، فمحمود يحتاج يوميا إلى كيس دم صباحا ومساء.
فمازال الإهمال والفساد موجود فى المستشفيات الحكومية فالمعاملة من الممرضات والدكاترة سيئة للغاية ويتعاملن مع المرضى بتعنت شديد وكأنهم بشر والمرضى لا.
وبسبب هذا الإهمال الذى يتعرض له ابنه من الدكتورة المتابعة لحالته أصيب بنزيف فى المخ فثار عليها حينما رأى ابنه يضيع من بين يديه فطلبت منه حقنا معينة تساعد فى وقف النزيف فقال لها «سببتلى نزيف فى دماغ ابنى وخلتينى شحت فلوس عشان أجبها حسبنا الله ونعم الوكيل».
وأضافت كريمة عبدالرحمن إن الخدمة المجانية الوحيدة فى المستشفى هى الكشف الذى يجريه الدكتور والذى يكون سريعًا لا يفحص فيه حالاته بل مجرد روشتة يكتبها بالعلاج الموجود فى صيدلية المستشفى.
الحاجة هنومة تبلغ 65 عامًا تعانى من مرض الضغط والقلب وتكلس فى فقرات العمود الرقبى منذ فترة كبيرة قال لها دكتور القلب الذى تتابع معه فى أحد المستشفيات العامة إنها تحتاج عملية فحص قلب عن طريق منظار المرىء لوجود تكتلات على صمام القلب، وبالرغم من أنها تعلم مدى خطورة هذه العملية إلا أنها أجرتها ولكن ما النتيجة!
أجرت هذه العملية منذ أكثر من عام ونصف ولكنها مازالت تعانى فتقول «مازلت أعانى من آلام شديدة فى الحنجرة والنفس لا أستطيع التقاطه أشعر بآلام شديدة عند الحركة فلا أستطيع أن أتحرك إلا بمساندة أحد من أبنائى «فهى أصبحت أكثر تعبًا وعجزًا عن ما كانت عليه من قبل».
أضافت هنومة شكوتها من الإهمال الطبى الذى يبدأ منذ لحظة الكشف عليها داخل العيادات الخارجية بالمستشفى أو حتى الاستقبال فلا يعطى لها الفرصة للتحدث عن أوجاعها وما تشعر به ويكتفى الدكتور بالفحص السريع.
فهى ليس لديها من الدخل ما يجعلها تذهب لعيادة خارجية حتى يهتم بها ويشخصها الدكتور تشخيصًا صحيحا كما يفعل فى المستشفيات الخاصة التى يمر عليها وعياداته العيادة الخاصة به.
فهذه حالة من حالات عدة فى المستشفيات الحكومية الذين شاء حظهم العثر أن يكونوا ضحية إهمال أو انعدام ضمير ممن هم مكفولون بحمايتهم وعلاجهم.
فإهمال الأطباء وأخطاؤهم أخطر من أى مجال آخر لتعاملهم مع أرواح مسئولة منهم، بالإضافة إلى ضعف الامكانات ونقص الأدوية وقلة أسرة العناية المركزة تسهم فى نسبة الإهمال والأخطاء التى تزهق أرواح المرضى وتعرضهم للخطر.