محمد بغدادي
إعـلامنـا الخاص والعام!
وأنا أتابع دائما احتفالات القنوات الفضائية الخاصة، بمناسبة انتقال ملكيتها لملاك جدد، أو لانضمام مذيعى ومقدمى برامج جدد لأسرة هذه الفضائيات، هالنى هذا البذخ الاحتفالى، وهذا الكم المذهل من الإعلانات المضيئة على كل الطرق السريعة وفوق الأبراج الشاهقة، ومن أين لهم بكل هذه الأموال الطائلة، حتى أن مقدم برامج رياضية متواضع الأداء انتقل مؤخرا لإحدى الفضائيات الخاصة، يتم الإعلان عن قدومه بحملة إعلانية تربو على المائة مليون جنيه (!!) ما كل هذا السفه والبذخ، ونحن جميعا ــ كوسط إعلامى ــ نعرف (البير وغطاه)، ثم بعد كل ذلك تمخض الجبل فولد فأرا.
فالوجوه هى هى ولا جديد، وكأن ساحة الإعلام رقعة شطرنج واحدة، ولا يوجد بها سوى هذه القطع القديمة، التى سأمتها الأذان، وتعبت من رؤيتها الأعين، فمنذ عهد صفوت الشريف، إلى عهد ممدوح البلتاجى، ومن عهد البلتاجى إلى عهد أنس الفقى، وبعد ثورة شعبية بحجم ثورة 25 يناير، جاء زمن المجلس العسكرى، ومن زمن المجلس العسكرى إلى زمن محمد مرسى، وبعدها جاءت ثورة 30 يونيو، فمن زمن محمد مرسى، إلى زمن الرئيس عدلى منصور، ثم ها نحن فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى، ونحن نعيش فى دائرة إعلامية مغلقة، وكأن هذا الكون الفسيح، وهذه الدنيا بما رحبت لم يَجُدْ الزمان علينا إلا بهذه الوجوه، التى تربعت على عرش الإعلام المصرى، عبر كل هذه المتغيرات السياسية الحادة، فيبدو أن كل شىء قابل للتغيير إلا المذيعين ومقدمى البرامج المقررين علينا كالقدر المحتوم، ويبدو أن سر بقائهم، أنهم الأكثر قدرة على التحول من عصر إلى عصر، ومن توجه إلى عكسه تماما، فهم متعددو الولاءات بلا عناء.
والأنكى من ذلك أنك لا تستطيع الهروب منهم، فهؤلاء المبشرون بالملايين يحاصرونك فى كل مكان، فأينما كنتم يدرككم المذيعون ولو كنتم فى بروج مشيدة، فنحن كما تعلمون نقضى نصف أعمارنا فى السيارات نتيجة لتفاقم أزمة المرور، فإذا بالسادة مذيعى التليفزيون يلاحقونك بالنهار فى الراديو، ويجثمون على صدورنا فى المساء فى المنازل، وكأنهم القدر الذى لا فكاك منه، فكل مقدمى برامج التوك شو المسائيين، تحولوا إلى مقدمى برامج إذاعية فى النهار، وكأن الكون نضب معينه، ولا يوجد سواهم، حتى أن تليفزيون الدولة عندما أراد أن يطور نفسه وأعلن عن برنامج جديد يحمل اسما مستفزا (أنا مصر!!) استعان بهولاء المذيعين فجلبهم من القنوات الخاصة رغم أن مبنى ماسبيرو يسكنه حوالى 44 ألف كادر إعلامى من مختلف التخصصات (!!)، والعجيب أن كل السادة مقدمى البرامج تحولوا بقدرة قادر إلى مفكرين ونقاد ومحللين استراتيجيين، وقادة عسكريين، وزعماء سياسيين، وعلماء فى شتى مجالات المعرفة، ناهيك عن ضيوفهم الدائمين، المقررين علينا كمناهج التعليم فى كتب القراءة الرشيدة، فالمحللون السياسيون والاستراتيجيون بسم الله ماشاء الله، تنتقل من قناة تليفزيونية إلى أخرى فضائية، ستجدهم فى كل القنوات نفس الوجوه، ونفس الأسئلة، ونفس الإجابات، ونفس القضايا، ولا جديد، وكأنهم يستأجرون غرفا بمدينة الإنتاج الإعلامى، فهم يقيمون بشكل دائم بجوار الاستوديوهات، ومتوفرون فى جميع القنوات والأسواق بنفس الملابس.
ومن الغريب أن مصر بالتحديد تحولت إلى فضاء مفتوح لكل من هب ودب، وكل من لديه رأسمال يحيره‘فعليه أن يأتى للقاهرة، ليستثمره فى الإعلام، فنحن لدينا كل الإغراءات والحوافز والمشاكل والقضايا والمشاهدة مضمونة، وكل رأسمال وتوجهاته، وأهدافه المعلنة والخفية، وكل رأسمال له أجندته الخاصة، فصناعة الإعلام صناعة ثقيلة والبحر الكبير يحب الزيادة فكل محطة تليفزيونية أصبح لديها باقة متكاملة، من الدراما إلى الأخبار، ومن الأخبار إلى التوك شو، ومن التوك شو إلى الأفلام، وهكذا، ما هو كله مكسب، ومن دقنة وافتله همّ غرمانين حاجة، ومصر هو البلد الوحيد على وجه الأرض الذى يفتتح له الدول الأخرى قنوات خاصة باسمه، فلدينا (مباشر مصر) ملك قناة الجزيرة، و«مصر mbc»، هذا بخلاف المال السياسى القادم من كل صوب وحدب، ليتمركز فى مصر، ليبث سمه المعسول، أو عسله المسموم، فنحن ساحة التجارب، والمصريون وهم فئران التجارب، فهؤلاء الإعلاميون الذين احتلوا عقول البسطاء، واخترقوا أمننا القومى، مازلوا لهم أجندات تخضع لرؤى صاحب رأس المال السياسى الذى لم يأت إلى مصر ليلعب، بل جاء ليأخذ نصيبه من تورتة المحروسة، وإذا كان هناك ميثاق شرف إعلامى الكل يتشدق به، إلا أنه لم يُفعل حتى الآن، ويجب أن تكون هناك قوانين تنظم وتراقب رءوس الأموال التى تتدفق إلى مصر ولماذا جاءت ومن الذى أتى بها، وهل هناك شبهة غسيل أموال أم أنها أموال سياسية جاءت فقط لتعبث بأمننا القومى، عبر مذيعين لهم سجل إعلامى حافل بكل الأهداف، فانتبهوا أيها السادة نحن أمة فى خطر ولم يعد لدينا إعلام يمثل الدولة ويعبر عن مصالح الشعب.










