الخميس 18 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
أزمة الأمناء والأطباء.. ومقاومة التغيير

أزمة الأمناء والأطباء.. ومقاومة التغيير






لا أحد يستطيع أن ينكر أن بلادنا تمر بمنعطف دقيق للغاية، ورغم ذلك لا أحد يريد أن يعترف أن بلادنا لابد أن تتغير إلى الأفضل، وأن هناك ثورتين كان ينبغى أن يكون لهما أثر جذرى نحو التغيير فى واقع الحياة المصرية وفى أجهزة الدولة بالكامل، ولا أحد يريد أن يستشعر حجم الأخطار التى تحيط بنا من كل جانب، ووسط كل هذه الأزمات المعقدة، تتوالى المشاكل العضال على رءوسنا الواحدة تلو الأخرى، وكأننا نسير فى حقل ألغام فقدنا خرائطه، وكلما خطونا خطوة إلى الأمام انفجر فينا لغم جديد، ولا أعتقد أننا أمام مشكلات عصية عن الحل، ولكننا أمام قوى متنفذة فى البلاد حازت على مناطق نفوذ واسعة على مدى سنوات متراكمة من الفساد، وتلك القوى تقاوم التغيير لصالح مصر الوطن والبشر.
فهناك رغبة سياسية (حسنة النية) ترغب فى التغيير، ولا أقول (إرادة سياسية)، فالرغبة غير الإرادة وهناك فرق شاسع بينهما، ففى تلك الظروف العصيبة التى تمر بها البلاد أصبح من العبث أن نواصل الحياة بثبات ونتقدم خطوات إلى الأمام ونحن نستخدم أدوات ومفاهيم وتنظيرات قديمة بالية فى معالجة الأمور والأزمات، فلابد أن تتغير كل هذه (العدة القديمة) وما بداخلها من تفاصيل ومعوقات لكى نقضى على مشكلات مزمنة لا سبيل لحلها إلا بحلول جذرية وقرارات حاسمة وتطبيق صارم للقوانين المعطلة، دون تحايل أو مجاملات أو التفاف حول مواد القوانين الرادعة، فكل السلطات التى كانت ومازالت تتمتع بسلطات مطلقة لا يطالها قانون ولا تسأل عما ترتكبه من أخطاء أو تجاوزات فى حق الوطن أو المواطن، وكأنها سلطات فوق القانون، فلا يمسها عقاب، ومن «أمن العقاب أساء الأدب».
كل هذه السلطات المتنفذة، سواء كانوا ضباطا أو أمناء أو سلطات قضائية أو سلطات عسكرية أو شرطية أو أطباء يتحكمون فى أرواح المواطنين، فكم من مريض فقد حياته لإهمال طبيب أو إدارة مستشفى عام أو خاص ومرت هذه الجرائم حتى إن كانت (قتل خطأ) دون عقاب أو حتى مجلس تأديب من النقابة أو وقف عن مزاولة المهنة، وكم من من طبيب يستغل المرضى وكم من طبيب سرق أعضاء أطفال الشوارع أو البسطاء ضمن تشكيل عصابى طبى عتيد الإجرام، وقس على ذلك كل الجرائم الأخرى التى ترتكبها كل هذه السلطات، حتى وإن كانت حالات فردية فى الشرطة أو القضاء أو الأطباء، إلا إنها تحدث بين الحين والآخر، ولكن لغياب العقاب الرادع فإنها لن تكف عن الحدوث.
والأزمة الحقيقية تكمن فى أن كل هذه السلطات لم تعترف حتى الآن بأن هناك مواد بالدستور الجديد منحت المواطنين حقوقا متساوية، وأبسط هذه الحقوق هى حقوق المواطنة، وأن جميع المواطنين أمام القانون سواء حتى قانون الخدمة الوطنية الجديد يكرس هذا المعنى فى التمييز بين المواطنين، فهو يطبق على كل موظفين الدولة إلا موظفى السلطات الثلاث (القضائية والعسكرية والشرطية).
فماذا يفعل الرئيس «السيسى» فى هذه الأزمات المتكررة؟ وماذا يفعل المواطن البسيط الذى ليس له ظهر يحميه من تغول أو تجاوز أى سلطة من هذه السلطات؟ وماذا يفعل أى مواطن فى مواجهة تجاوزات أى طبيب انتزعت من قلبه الرحمة؟ فمن يقاوم التغيير ومن الذى يسعى لأن يعيدنا لعصر الفساد البغيض ليبقى الحال على ما هو عليه؟ ومن يقاومون التغيير كثيرون، فهم جيش من الموظفين والمسئولين يعتقدون أنهم يملكون مؤسسات الدولة وأنهم ورثوها عن آبائهم، لذلك فهم يقاومون التغيير بكل ما يتمتعون به من قوة وسلطة وسطوة ومهارات التحايل والتلون.
فبينما الظروف التاريخية الدقيقة التى تمر بها البلاد تحتم علينا جميعا قيادة وشعبا ثواراً ونخباً، أن نستنفر جميعا لصياغة مشروعا قوميا للنهوض بالدولة المصرية لحماية الوطن من الفكر المتطرف الذى يقودنا للإرهاب، نجد أن الفساد المستشرى فى مؤسسات الدولة المصرية يتضافر مع الكهنوت الإدارى العتيد الذى تتمتع به أجهزة (الدولة العميقة)، لتقويض مشروع الدولة المصرية المدنية الديمقراطية الحديثة.
فالتغيير بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية ــ متوافرة بالتأكيد على الأقل من منظور الرئيس السيسى ــ يحتاج أيضا إلى استعداد ورغبة من جهاز الدولة الإدارى لإحداث هذا التغيير، ولكن هناك مقاومة شرسة ضد التغيير، تتمثل فى: (الجهل ــ انعدام الكفاءة وقلة الخبرة ــ الفساد ــ وغياب الشفافية فى تطبيق مبدأ الثواب والعقاب) وهؤلاء الأعداء الأربعة يعيقون تقدم الدولة المصرية، ويحولون دون تحقيق العدالة الحقيقية، لذلك لا بد من فكر جديد يقود الدولة المصرية، فكما استطاعت ثورة 25 يناير أن تسقط نظام مبارك المستبد، وتلتها ثورة 30 يونيو التى أسقطت حكم جماعة الإخوان الفاشى، فلابد لنا من ثورة إدارية قادرة على إسقاط النمط التقليدى للتعامل مع الأزمات المتكررة، تنفذ القوانين بحسم وصرامة على الكبير والصغير وعلى الوزير والغفير، حتى يستقيم ميزان العدالة الاجتماعية ويسود البلاد جو من الطمأنينة والأمن والأمان.