محمد بغدادي
فن تعذيب المواطن.. وتـَنـَطَّع التاكسى الأبيض!
تَنَطَّعَ الشّخص فى الأمر: أى غالى فيه وتكلَّف.. ومن تَنَطَّعَ فى عملِه: بَالَغَ فِيهِ وَتَعنت.. وهكذا يتنطع سائقو التاكسى الأبيض.. ويبالغون فى تعذيب المواطن.. والحكومة تسترضيهم تارة.. وتتهاون فى محاسبتهم على ما يرتكبونه من مخالفات يومية هائلة فى حق المواطن تارة أخرى.. ففى الوقت الذى تسعى فيه كل حكومات العالم إلى البحث عن كل الوسائل الممكنة لتخفيف الأعباء عن كاهل شعوبها وتلبية احتياجاتهم.. والسهر على راحتهم.. نجد أن حكومتنا تتفنن فى ابتكار طرق متعددة لتعذيب المواطن.. فلا يمكن أن تسمح أى حكومة فى العالم بأن يفعل سائقو عربات الأجرة فى مواطنيها ما يفعله سائقو التاكسى الأبيض فى المواطنين المصريين.. فالمواطن المصرى هو المواطن الوحيد على وجه الأرض الذى يجرى خلف سيارات التاكسى لكى يخبر السائق بوجهته.. ثم ينظر إليه السائق نظرة استعلاء واحتقار.. ويسأله عن وجهته.. وعادة ــ بل دائما ــ لا يكون على هواه المكان الذى يقصده المواطن طالب خدمة التوصيل.. فيقول له بصلافة: «مش طريقى».. وكأن التاكسيات المصرية هى التاكسيات الوحيدة من دون تاكسيات العالم كله التى تخرج بخط سير غير قابل للتغيير.. وخط السير هذا من اختراع سائق التاكسى الأبيض طبعا.
والتاكسى المصرى هو الوحيد فى العالم الذى عداده لا يعمل بفعل فاعل.. وتكييفه عطلان.. وزجاجه منزوعة مقابضه فهو غير قابل للحركة.. ومقاعده متسخة دائما وبشكل مذرٍ.. وكل شىء فيه متهالك.. ورغم كل هذه المخالفات التى يجب محاسبة سائقه عليها بمقتضى شروط «الأمن والمتانة».. إلا أن التاكسى الأبيض لا يخضع لأى مراقبة.. أو محاسبة رادعة.. ولا ينفذ عليه أى نوع من أنواع الجزاء.. فهو حر فيما يفعله من استغلال للمواطن.. وهو حر فى اختيار الراكب الذى يعجبه.. ويرفض الراكب الذى ليس على هواه.. ويتحكم فى خط سير سيارته.. وهذا منافٍ تماما لشروط خدمة سيارات الأجرة المطبقة فى كل بلاد العالم.
ورغم كل هذه المذلة والمهانة والتعذيب اليومى الذى يتعرض له المواطن المصرى.. إلا أنه صبر على ما ابتلاه من تعنت السائقين.. وتراخى الحكومة فى هذا التسيب والإهمال.. إلى أن أكرم الله المصريين بمشروع آخر من المواصلات الخاصة وهى شركتى «كريم» و«أوبر».. فهى سيارات تتوفر فيها كل الشروط الآدمية والإنسانية التى تتوفر فى كل سيارات العالم الأجرة.. وبالمناسبة هذه الشركات منشرة فى أكثر من أربعين دولة على مستوى العالم.. ولم يحدث أى نوع من المشاكل ولكن جاءت عندنا وبدأت المشاكل.. ولم لا؟!.. لأن هذا المشروع سيريح المواطن من عذابات التاكسى الأبيض.. ولماذا يستريح المواطن؟! وكيف تنتقص حصته اليومية من التعذيب؟! وهو ذاهب إلى عمله أو عائد منه!! فلا بد من تعذيبه يوميا بأبشع أنواع العذاب.. هذا حق واجب وفرض عين من الحكومة على المواطن.
فلما انصرف المواطنون عن التاكسى الأبيض.. لأنهم وجدوا البديل الأفضل المريح والآدمى.. عز على سائقى التاكسى الأبيض أن يتركوا المواطن ينعم بهذه النعمة التى أنعمها الله عليهم.. فنظموا وقفة احتجاجية بميدان مصطفى محمود وهم يهددون الحكومة والمواطنين بتعطيل حركة المرور.. وعمل إضراب شامل لشل حركة المرور فى العاصمة كلها.. وهذا ليس مهمًا لأن سائقى كريم وأوبر علقوا على ذلك قائلين: إنهم أسهموا فى الدعاية لنا.. والذى لم يكن يعلم بأمر مشروعى أوبر وكريم.. عرف من خلال الإضراب وبدأ يتعامل معنا.. وأيضا كل هذا ليس بالمهم.. ولكن المهم أن الحكومة شكلت لجنة من سبعة وزراء لبحث مشكلة التاكسى الأبيض.. لجنة تعمل على استرضاء بلطجة التاكسى الأبيض.. وتمنع كريم وأوبر من مزاولة النشاط.. فالحكومة التى تمارس نوعًا غريبًا من الفنون وهو فن تعذيب المواطن المصرى عز عليها أن ترى المواطن المصرى مبسوطًا من شىء ما.. وكيف يكون ذلك! فلابد أن تنكد عليه وعلى أهله.. وهذا حق كفله الدستور لحكوماتنا الرشيدة.. وهو التنكيل والتنكيد على المواطن المصرى.. لذلك فإن إسعاد المواطن مخالفة دستورية شنيعة.. أما تعذيب المواطن فهذا حق من الحقوق الأصيلة للحكومات المصرية.. وطبعا اللجنة المشكلة من سبعة وزراء مازالت منعقدة.. ومازالت تبحث عن حلول.. وأعتقد أنها ستبحث عن حل يرضى جميع الأطراف.. إلا الطرف الثالث وهو المواطن المغلوب على أمره!










