محمد بغدادي
صراع الديناصورات على جثة سوريا
يزداد الوضع قتامة ومأساوية فى حلب، فصراع القوى العظمى الإقليمية والدولية فى سوريا يؤكد أن العالم كان وسيظل وسيبقى، بلا قلب، ولا عقل، ولا رحمة، وإنسانية، وستبقى مصالح الدول الكبرى سيدة العالم، فعلى الرغم من أن المدينة منذ عام 2011 إلى كومة من الأنقاض، إلا أنها تمثل ركنا هاما من الاستراتيجية العامة لصراع الديناصورات فى سوريا، فلا زالت حلب تمثل أحد الأوراق الرابحة على طاولة مفاوضات جنيف التى تعثرت مؤخرا تحت الرعاية الأمريكية الروسية، وكأن الديناصورات المتصارعة على مناطق النفوذ فى سوريا يرقصون على جثة حلب وأشلاء الشعب السورى رقصة الموت الأخيرة:
(أولا) موقف روسيا ونظام الأسد:
نشر مركز (أتلانتيك كاونسل) تحليلا ميدانيا يؤكد أن استراتيجية النظام فى الوقت الحالى تهدف إلى عزل المعارضة فى جيوب صغيرة يسهل التعامل معها لاحقا، وقطع خطوط إمداداتها مع تركيا، ونصب المدافع الروسية إلى جانب القوات النظامية الإيرانية المتسللة عبر العراق، هو ما يفسر التركيز على استعادة حلب بدلا من إدلب وحماة، فإن تحقيق الانتصار فى حلب سوف يدعم موقف الرئيس الروسى بوتين داخل بلاده، التى تشهد أزمة اقتصادية حادة وتراجع العملة المحلية، والتشكيك فى جدوى الاستثمار فى الحملة الروسية فى سوريا، لذلك فالأسد وبوتين يحرقون كل شئ من أجل البقاء(!!)..
(ثانيا) المعارضة السورية فى ظل الهدنة الهشة:
أما المعارضة التى تعانى من نقص فى إمدادات الأسلحة لخوض معركة بهذا الحجم تحت القصف الروسى السورى والدعم الإيراني، فهى تحاول البقاء، وخاصة بعد تعرضها لتضييق شديد على إمداداتها، تحت ضغط أمريكى لإجبارها على حضور مفاوضات جنيف، فإن سقوط حلب يمثل انتكاسة كبيرة للمعارضة خاصة بعد الخسائر المتتالية خلال الأسابيع الماضية فى اللاذقية ودرعا وحمص وريفها، لذلك أيضا فهم يحرقون كل شيء من أجل البقاء(!!).
(ثالثا) ضغوط أمريكية على تركيا والدول الداعمة للمعارضة:
وفى ظل استكمال جولات مفاوضات جنيف تعرضت كلا من السعودية وتركيا لضغوط أمريكية كبيرة لمنع تقديم الأسلحة للمعارضة السورية، من أجل إجبارها على حضور المفاوضات، ويبدو أن السعودية وتركيا قد دفعتا ثمن خضوعهما للضغوط الأمريكية، وهو ما قد يضع تركيا والسعودية فى موقف متخاذل أمام حلفائهم المعارضين، وهو ما يبرر الاندفاع الشديد فى التصريحات السعودية والتركية بشأن التطورات فى حلب خلال اليومين الماضيين، فعلى الجانب السعودي، فإن سقوط حلب فى يد حكومة الأسد ستعتبره انتصارا جديدا لإيران وحزب الله فى سوريا، وهو انتصار قد يلقى بظلاله على لبنان، خاصة فى الوقت الذى يتم فيه ترجيح كفة مرشح الرئاسة اللبنانية ميشيل عون المدعوم من إيران وحزب الله، بعد حصوله على تأييد منافسه سمير جعجع إثر خلافه مع تيار المستقبل حول دعم سليمان فرنجيه، وعلى الجانب التركى تبدو الأمور أكثر وضوحا، فمن ناحية فإن سقوط حلب سوف يضع النظام السورى وروسيا وإيران فى مواجهة مباشرة مع تركيا، وهو يعنى وصول الحرب فعليا إلى الأراضى التركية عبر تطويق حدودها بحزام علوى كردى شيعي، فلابد أن تبقى حلب فى قبضة المواليين لتركيا وأمريكا، فيحرقون كل شىء أيضا(!!).
(رابعا) الغرب والولايات المتحدة:
لن تقتصر تداعيات سقوط حلب على المنطقة فقط بل ستمتد إلى خارجها، وفقا لصحيفة الغارديان البريطاني: «فإنه على الغرب أن يستعد لموجة جديدة أعنف من سابقتها لطلب اللجوء للمواطنين السوريين الفارين من جحيم الموت»، وعلى الجانب الأمريكى فإن حجم الضغوط التى مارستها الولايات المتحدة على المعارضة للمشاركة فى جنيف أسهمت فى تدنى مصداقيتها، وإن عادت المفاوضات فإن نجاح الأسد فى استرداد مواقع جديدة سيخفف من ضغوط الديناصورات فى الشرق والغرب، التى تشترط اختفاء الأسد من المشهد السياسى قبل البدء فى المفاوضات، حيث إن نجاح الهجوم سيعنى عمليا أنه لا توجد قوات على الأرض فى سوريا سوى القوات السورية النظامية، وتنظيم (الدولة الإسلامية)، وبذلك سيكون الأسد قد قضى تماما على الشروط التى تستهدف اقصاءه عن الحكم، وهذا معناه انهيار تام لأحلام المعارضة، لذلك فإن أمريكا تدفع بكل قواتها لأرض المعركة بشكل سافر، فى مواجهة الدب الروسي، فيدمرون ويحرقون أيضا كل شيء(!!).
(خامسا) الكيان الصهيونى هو المستفيد الوحيد:
أما إسرائيل فقد حصلت على مكافأتها مقدما فأعلنت منذ أيام أن (الجولان أرض إسرائيلية)، فهى الرابح الوحيد فى هذه المذابح، فهناك تواطؤ دولى على إبادة الشعب السورى بسكين بارد، فاقتنعت بوجهة نظر أوباما بأن التورط الإيرانى المتزايد فى سوريا، يمكن السكوت عنه مؤقتًا، ريثما يتم استنزاف إيران العاجزة عن إنقاذ بشار، فإسرائيل أنابت أمريكا وتركيا فى تقليص النفوذ الإيرانى فى سوريا ولبنان، ثم تقسيم سوريا فيما بينهم، اننا نعيش فى عالم وضيع بشع بلا إنسانية.










