محمد بغدادي
30 يونيو ثورة شعـب
قبل أن يوقع الرئيس السادات اتفاقية كامب ديفيد فى 17سبتمبر1987ـــ وحتى يبرر إبرامه لهذه الاتفاقية على هذا النحو ـــ روج لمقولة كارثية شهيرة قال فيها: (إن 99% من أوراق حل مشكلة الشرق الأوسط فى يد أمريكا!).. ومنذ أن أطلق هذه العبارة دخلت الشعوب العربية فى نفق معتم، فسرعان ما علقت عضوية مصر فى جامعة الدول العربية، ونقلت الجامعة من القاهرة إلى تونس، ونشأت نزاعات الزعامة الإقليمية والشخصية فى العالم العربي، لسد الفراغ الذى خلفته مصر، فتشرذم العرب، وفى الداخل زادت المعارضة الشعبية، واستقال وزيرى خارجية، اعتراضا على الشروط المجحفة للاتفاقية، والانسحاق المهين، أمام الغطرسة الصهيونية لمناحم بيجين عندما نصت الاتفاقية على إخلاء سيناء من القوات المسلحة إلا من قوات رمزية، وتقسيمها إلى مناطق (أ،ب،ج).
وبهذه المقولة تم استبعاد الطاقة الخلاقة للشعوب العربية من كافة معادلات القوة فى مواجهة أعداء الأمة العربية، وجاء غياب الديمقراطية فى الدول العربية ليؤكد ذلك الاستبعاد، فاستكانت الشعوب العربية للديكتاتوريات، واستسلمت لمقولة السادات، بأن 99% من أوراق اللعب فى يد أمريكا، وبالتالى إسرائيل، حتى إن رجل بثقل د. مصطفى الفقى قال يوما ما قبل رحيل مبارك: «إن الرئيس القادم لمصر لابد أن تختاره أمريكا وتوافق عليه إسرائيل!» إلى هذا الحد هانت أقدارنا وقدراتنا على العالم كله.
وجاءت ثورة 25 يناير، وتلتها 30 يونيو، لتعيد لنا ثقتنا بأنفسنا، وتعيد ترتيب موازين القوة فى المنطقة العربية من جديد، إلى أن جاء من يضع الشعب المصرى داخل معادلة القوة، ويدرك أن مصائر الشعوب بأيديها وليس بيد الأمريكان، وهذا ما أقدم عليه الفريق أول عبد الفتاح السيسى بشجاعة المقاتل الذى يمتلك عقيدة قتالية راسخة، وغامر بحياته متحملًا مخاطر اللحظة التاريخية، مستلهما ومتكئا على هذه الطاقة الخلاقة للشعب المصرى الذى خرج فى مظاهرات شهد لها العالم كله بأنها هى الأولى من نوعها فى التاريخ، لينقذ مصر والعالم كله من مؤامرة التنظيم الإرهابى العالمي، الذى كان يخطط للاستيلاء على دول المنطقة، ويعيد تقسيمها لصالح المشروع الصهيونى ليصبح العرب الأكثر تخلفا وجهلا، وحينئذٍ يسهل التهامهم الدولة تلو الأخرى.
وعندما استرد الشعب حريته عبر ثورته فى 30 يونيو، واستعادت مصر حريتها من عصابة الإرهابيين، طرح وزير الدفاع ــ آنذاك ــ الفريق أول عبد الفتاح السيسى خارطة الطريق، فأكد خلال لقائه مع عدد من قيادات الجيش والشرطة، فى 18/8/2013 بأنه لم يسع إلى الحكم حين قال: «أقسم بالله بأن شرف حماية الشعب وحريته وإرادته أعز عندى من شرف حكم مصر».. لهذا صدقه شعب مصر الذى لا يخطأ ابدا فى تقديراته وحسن ظنه بمن يصدقه القول، وهذا ما أكده المشير فى خطاب ترشحه للرئاسة، نزولا على رغبة الشعب المصري، حين قال:
«من حوالى 45 سنة وانا أشرف بزى الدفاع عن الوطن، واليوم أترك هذا الزى أيضا من أجل الدفاع عن الوطن» « وأكمل «والسنوات الأخيرة من عمر الوطن، أكدت أنه لا أحد يستطيع أن يصبح رئيسا لهذه البلاد دون إرادة الشعب».
ولأول مرة لا يتضمن خطاب مرشح لرئاسة مصر أى وعود براقة، حيث استخدم عبارة (غير مقبول) وهى العبارة الأكثر صدقا وموضوعية:
«عايزين نكون صادقين مع أنفسنا، فيه ملايين من شبابنا بيعانوا من البطالة، هذا (أمر غير مقبول)، ملايين المصريين بيعانوا من المرض، ولا يجدون العلاج المناسب وهذا (أمر آخر غير مقبول)، مصر البلد الغنية بمواردها وشعبها تعتمد على الإعانات والمساعدات، وهذا أيضا (أمر آخر غير مقبول)، فالمصريون يستحقون حياة أفضل، ويستحقون أن يعيشوا بكرامة وأمن وحرية».
واختتم خطابه مؤكدا أن إرادة الشعب هى الآمر الناهى لمستقبل مصر، قائلًا:
«لا الجيش ولا القوات المسلحة هى التى غيرت النظام السابق بل إرادة الشعب، لكن يجب ان ندرك انه سوف يكون محتمًا علينا ان نبذل جميعا أقصى الجهد لتجاوز الصعوبات، حيث صناعة المستقبل هى عمل مشترك، عقد بين الحاكم والشعب، ولن ينجح الحاكم بمفردة بل ينجح بشعبة».. وإذا كانت هذه هى رؤية الرئيس السيسى، فإن هناك كثير من الأمور تتعلق بالحريات والمواطنة والعدالة الاجتماعية، تحتاج أن يباشرها الرئيس عبد الفتاح السيسى بنفسه، هناك تجاوزات لا بد أن يكون لها حدود، ويبدو أن هناك من يريد أن يفسد العلاقة بين الرئيس وبين فئات معينة من الشعب بغرض استبعادها وإقصائها من المشهد الوطني، لقد أدرك الرئيس من البداية أن أى حاكم، هو أضعف ما يكون إذا استبعد شعبه من المشهد، أما إذا حضر الشعب بكل فئاته، فسيصبح الحاكم أقوى رجل فى العالم، فالحاكم كما قال الرئيس: «لا ينجح بمفرده بل بشعبه».. حتى يتأكد لنا جميعا أن 30 يونيو هى بالفعل ثورة شعب.










