محمد بغدادي
القمح.. وفساد الأمكنة!
يبدو أن مؤسسات الدولة العميقة.. تسبح على سطح بحر من الفساد.. وكلما حاولنا إصلاح ما أفسده المفسدون عبر أربعين عاماً من الفساد المتوحش.. يخفق الحالمون بالقضاء على الفساد.. من اجل غد أفضل.. يليق بمصر ومكانتها التى تستحقها بين الأمم المتحضرة.. ويبدو أن الرئيس الأسبق أنور السادات عندما بدأ عصر الانفتاح فى منتصف سبعينيات القرن الماضي.. أعطى لكل عصابات الفساد الصغيرة.. والكبيرة.. والمتوحشة.. إشارة البدء فى الهجوم الشرس على المال العام.. لينهبوا منه.. ويعبوا فى خزائنهم.. وكروشهم.. ما لذ وطاب لهم.. من أموال وثروات الشعب.. وكانت إشارة البدء.. وكلمة السر التى فتحت مغارة على بابا للأربعين ألف حرامي.. هى تلك العبارة التى جاءت فى إحدى خطبه.. حين قال بالعامية الساداتية يوما ما: «اللى مش حايغتنى فى عهدى مش ح يغتنى طول عمره».. فهذه الجملة حتى وإن كان الرئيس السادات قالها ــ آنذاك ــ بحسن نية مشيرا إلى فوائد الانفتاح واقتصاديات السوق الحر.. وتشجيعًا للاستثمار وجذب المستثمرين.. إلا اننا ومن يومها.. وأصبح شعار هذه المرحلة طوال أربعين عاماً: « المال العام ــ السايب ــ يعلم السرقة».. ومنذ ذلك التاريخ والفاسدون لا يكفون عن السرقة ليلا ونهارا.
ففى قضية القمح.. وطرق تخزينه وطرق صرفه.. أظهرت لجان تقصى الحقائق التى شكلها مجلس الشعب للبحث عن ثغرات التسيب.. وفساد الذمم.. ومن هم صناع هذا الفساد ومن هم حراسه.. أذهلتنا جميعا المفاجآت.. فقد جاء تصريح المهندس مجدى ميلك رئيس لجنة تقصى الحقائق صادما حينما قال: إن اللجنة قامت بأول زيارات ميدانية لأماكن الصوامع والشون» ولكنهم «لم يتخيلوا كم هذا الفساد»!!.. وأضاف «ميلك» فى مداخلة هاتفية مع أحد البرنامج: أنهم «رصدوا فسادا يصل إلى نصف مليار جنيه خلال الأيام الماضية».
وقرر النائب العام حبس أصحاب صوامع.. وأصحاب شون.. وأعضاء اللجنة المشرفة على استلام الأقماح.. الذين ثبت ارتكابهم لجرائم التلاعب فى توريد كميات الأقماح المحلية.. والاستيلاء على المال العام.. من خلال التلاعب فى صوامع الأقماح.. ووضع المتهمين فى القضية على قوائم الممنوعين من السفر وترقب الوصول.. ومنعهم وأسرهم من التصرف فى أموالهم وإدارتها.. ووقف صرف أية مستحقات لأصحاب الصوامع المحبوسين على ذمة القضية.. وأمر بضبط وإحضار متهمين آخرين هاربين على ذمة القضية.. ويواجه المتهمون تهم: «الاستيلاء على المال العام والتزوير فى المحررات الرسمية.. والإضرار بالاقتصاد والأمن القومى للبلاد».
وكان عضو لجنة تقصى الحقائق البرلمانية لأزمة صوامع القمح.. النائب إيهاب عبدالعظيم قد صرح من قبل إن منظومة القمح ترَّبح منها العديد من الأفراد، مؤكدًا أن مصدر التربح الأساسى هو خلط القمح المحلى بالمستورد.. معتبرًا أن منع استيراد القمح لم يسهم فى تقليل الفساد والتلاعب.. وأضاف عبدالعظيم.. أن لجنة تقصى الحقائق تتضمن ممثلين من: «التموين والزراعة والجيش».. وأن هناك شركة عالمية متخصصة فى القياس.. تتعاون مع لجنة تقصى الحقائق.. مشيرًا إلى أن المبالغ التى تم الاستيلاء عليها فى مخالفات توريد القمح تصل إلى خمسة مليارات جنيه!!
والعجيب فى الأمر أن هذا الفساد ليس وليد اليوم.. ولكنه متجذر فى كل مؤسسات الدولة بأشكال مختلفة.. بالطبع كانت هناك آلاف المحاولات للإصلاح.. ولكنها باءت بالفشل بل تعرض أصحاب هذه المحاولات للخطر والتهديد.. لأن تنظيم الفساد كان ومازال من أقوى التنظيمات فى البلاد!!
فقد جاءتنى معلومات موثقة ودامغة.. من الصديق والزميل الأستاذ محمد عفيفى الرئيس السابق لقطاع الاستلام والتوزيع فى شركة الصوامع والتخزين.. تؤكد أن الفساد والتسيب وسرقة المال العام مسئولية مشتركة بين عدة أطراف من بينها: هيئة الرقابة على الصادرات.. ومندوب العهدة.. والقبانى أو الوزان.. والشركة المسوقة للأقماح.. وهيئة السلع التموينية.. وأن كل هذه الجهات مسئولة عن الأقماح وجودتها وكمياتها.. وعمل منظومة محكمة تمنع الفساد منعا باتا أمر شديد الصعوبة ولكنه ليس مستحيلا.. لأن هناك مافيا منظمة لنهب المال العام تستفيد من هذا التسيب والارتباك وهو مقصود.. وأن إحكام الرقابة وتنظيم استيراد وزراعة وتخزين وصرف الأقماح كان لابد أن يتم عن طريق بنوك التسليف الزراعى والجمعيات الزراعية.. ولكن هذه الجمعيات والبنوك تم تسليمها للمحليات لتشرف عليها.. فى عهد الرئيس مبارك.. ومن هنا بدأ الفساد وتكونت المافيا.. ولكى نعيد الأمور لنصابها لابد من صياغة جديدة محكمة لكل هذه المنظومة.. وهذا يتطلب إرادة سياسية من حديد.










