محمد بغدادي
الفساد هو الحل.. أزمة لبن الأطفال!
سألت فاسدًا صغيرًا على باب الله.. أزعجه مقال الأسبوع الماضى (غول الفساد.. والمساءلة القانونية).. عن كيفية مقاومة الفساد؟ فانزعج بشدة.. وأذهلتنى إجابته.. حين قال لى ببساطة ملؤها القناعة واليقين: «وأنت عايز تقاوم الفساد ليه! تاعبك فى إيه الفساد! أنت عارف إن الفساد ده هو عامود الخيمة اللى موقف البلد على حيلها.. ولو شيلت الفساد الخيمة تتهد علينا.. والبلد تنهار.. ومظاهرات الجياع تملأ شوارع مصر!».. ظننته يمازحنى.. فقلت له كيف يكون الفساد هو عامود الخيمة! وبدونه تنهار البلاد! فقال لى بنفس اليقين والقناعة: «أى واحد رب أسرة من أربعة أفراد.. ونفسه يعيش مستور ويأكل أولاده عيش وفول فقط.. بدون طعمية أو سلطة.. ولو فطروا كل واحد بجنيه عيش.. وجنيه فول.. واتغدوا كل واحد بخمسة جنيهات غموس.. وبجنيه عيش.. واتعشوا كل واحد بجنيه جبنة.. وجنيه عيش.. ومواصلات رايح جاى كل واحد اتنين جنيه فى اليوم.. احسبها أنت يا متعلم يا بتاع المدارس.. تلاقى كل واحد محتاج عشرة جنيهات فى اليوم.. يعنى مطلوب أربعين جنيهًا للأسرة الواحدة.. فى ثلاثين يومًا فى الشهر يبقى مطلوب لهذه الأسرة ألف ومائتى جنيه فى الشهر.. وهذا المبلغ دون تعليم.. ولا مرض.. ولا إيجار سكن.. ولا كسوة شتا ولا صيف.. ولا فاتورة كهربا.. ولا فاتورة غاز.. ولا مياه.. ولا صابونة أو شامبو.. ولا لحمة ولا فرخة.. ولا كباية شاي.. ولا فنجال قهوة.. ولا بيبسى.. ولا سيجارة.. ولا شيشة.. ولا فاكهة.. ولا لبن.. ولا زبادى.. ولا مصايف.. ولا حج.. ولا عمرة.. فإذا كان الحد الأدنى للأجور 1200 جنيه فى الشهر ولم يطبق بعد فى كل مؤسسات الدولة العامة والخاصة.. فمن أين يأتى رب هذه الأسرة التعيسة بباقى المصروفات الأخرى؟».
ولم يترك لى المواطن فرصة للإجابة.. وقال على الفور:
«وعندما تنظر للأمور بالعقل والمنطق يا أستاذ ستجد أن الفساد هو الحل! يعنى مش كفاية الناس الغلابة بتكمل عشاها نوم! كمان تطلب منهم يبطلوا فساد! طيب يعيشوا إزاى! فكل واحد فى الدولة بيصَّرَّف نفسه علشان الأمور تمشى.. وإلا البلد ينهار.. وستجد الغلابة طلعوا عليكم بالسنج والمطاوى يثبتوكم فى عز الضهر!
وبالطبع عندما دافعت عن الغلابة قائلا للمواطن الفاسد.. أنا لا أقصد صغار الموظفين الذين يطلبون إكرامية ببجاحة لقضاء مصالح الجماهير.. ولكننى أقصد الفاسدين الكبار الذين ينهبون المال العام لعشرات السنين.. وعندما يتم القبض عليهم متلبسون.. يسددون بعض الملايين لخزانة الدولة لإجراء مصالحة كوميدية.. ليعودوا من جديد يمارسون نهب المال العام السايب دون مساءلة قانونية.. فرد المواطن الفاسد الصغير:
«كده بقى يا أستاذ دخلنا فى الممنوع.. ولبسنا فى الحيط.. ما يقدر على القدرة إلا ربنا.. دى ناس كبيرة.. ومسنودة.. وجدورها قوية وثابتة فى الأرض.. ونافدة على فوق قوي.. وموجودين فى كل عصر وأوان.. خلينا بعيد عنهم أحسن.. دول قرصتهم والقبر!».
وطبعا عندما أنهى الفاسد الصغير عباراته القاطعة بدعوة مخلصة.. (لأن نكون بعيدين عنهم..) فنحن نستلهم من فراسة هذا المواطن أسئلة كثيرة عن واقعة اختفاء ألبان الأطفال التى وقعت منذ أيام.. وقراءته الفطرية الصحيحة لما يحدث حولنا.. فكيف تختفى من كل الأسواق كل أنواع الألبان فى وقت واحد! وكيف يصل الأمر إلى حد تظاهر الأمهات أمام مجلس الوزراء ومجلس النواب بحثا عن طعام لأطفالهن الرضع! وفجأة بقدرة قادر.. وفى غمضة عين.. يأتى رجال القوات المسلحة ويحلون المشكلة وكأنهم يملكون عصى سحرية لحل كل المشكلات.. وبجرة قلم واحدة تنتهى متاعب الناس! ومأساة الأطفال الجياع.. بالطبع ليس هناك سحر ولا شعوذة.. ولكن هناك علامات استفهام كبرى؟ كيف اختفت الألبان؟ ومن الذى أخفاها؟ ولماذا لم يقدم للمحاكمة بتهمة إخفاء سلع غذائية حساسة؟ وكيف مر هذا بغير حساب؟ هل الفاسد الذى ارتكب هذه الجرائم لديه ترخيص بممارسة الفساد بلا رادع؟ ومن هم هؤلاء الفسدة الأقوياء المسنودين؟ والسؤال الأكثر أهمية.. هل قبضوا على الفاسدين وصادروا من مخازنهم هذه الكميات الهائلة من الألبان؟ ولماذا لم تعلن حقيقتهم على الشعب؟ أو يحولوا إلى النائب العام بتهمة إخفاء سلع حيوية.. بغرض رفع أسعارها.. واستغلال المواطنين؟ هذه أحداث ووقائع تستحق المساءلة القانونية؟ والسكوت عنها جريمة؟ واللجوء للقوات المسلحة لحل كل الأزمات ليس هو الحل! وإلا كان رأى المواطن البسيط: (الفاسد هو الحل).. هو الصواب بعينه!










