محمد بغدادي
احتفالات أكتوبر على الطريقة الفرعـونية!
ربما يكون من حسنات ثورتى 25 يناير و30 يونيو، أنها أماطت اللثام عن بطولات جديدة لحرب أكتوبر، فقد تعودنا على الاحتفال بنصر أكتوبر على الطريقة الفرعونية، فكلما جاء فرعون محى خرطوشة الملك السابق ووضع خرطوشته على كل إنجازات من سبقوه ونسبها إلى نفسه، فلأول مرة منذ أن حقق الشعب المصرى وقواته المسلحة الباسلة انتصارات أكتوبر، يحتفل الإعلام المصرى بأبطال حرب أكتوبر على هذا النحو، ولأول مرة تجرى لقاءات مع مختلف القيادات العسكرية والجنود وصف الضباط من الأبطال الذين التحموا بالعدو الصهيونى وجها لوجه، واقتحموا المانع المائى، والساتر الترابي، وخط برليف، وحطموا أسطورة الجيش الذى لا يهزم، ولأول مرة يحكى أبطال أكتوبر عن التفاصيل الدقيقة والمذهلة لشهدائنا الأبطال، ورجال القوات المسلحة البواسل، والحق يقال إن هذا السلوك الإعلامى بدأ فى عهد الرئيس عدلى منصور، وزادت الجرعة فى عهد الرئيس السيسى.
فمنذ اللحظة الأولى لبشائر النصر قرر الرئيس السادات أن يختزل بطولات الجيش المصرى العظيم كله فى اتخاذه لقرار الحرب فقط، وقرر إلغاء كل ما تم إنجازه من بطولات واستعدادات، قدمها الجندى والضابط المصرى طوال فترة حرب الاستنزاف، وأهم مرحلة من مراحل الاستعداد لحرب 1973 وهى بناء القوات المسلحة التى انهارت فى 5 يونيو والتى دفعت بموشى ديان لأن يقول بصلافة وغرور: «مصر أمامها عشرون عاما لبناء جيشها».
ولم يذكر أى شيء عن الفريق أول محمد فوزى الذى أسند إليه جمال عبد الناصر مسئولية إعادة بناء الجيش المصرى بعد النكسة، باختياره وزيرا للحربية، ومعه الفريق عبد المنعم رياض رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة، والذى استشهد فى مواجهة مع إسرائيل يوم 9 مارس عام 1969، وخرج فى جنازته أكثر من مليون مصرى يتقدمهم جمال عبد الناصر، وبدأ الفريق أول محمد فوزى بإعادة بناء الجيش منذ اللحظة الأولى لتسلمه القيادة حتى خروجه من منصبه يوم 15 مايو عام 1971، بعد خلاف نشب بين السادات وقيادات عبد الناصر، وانتهت بوضع هذه القيادات فى السجن بعد محاكمة هزلية، واشتهرت إعلاميًا بـ «ثورة التصحيح»، وحولها السادات إلى مناسبة قومية حتى تم إلغاؤها فى بدايات عهد مبارك.
وكان الفريق فوزى واحدًا من هؤلاء، وحكم عليه السادات بالإعدام لا لشىء سوى أنه قدم استقالته فقط تضامنا مع هذه القيادات! لكن السادات خضع لمطلب الجيش المصرى برفض محاكمة الرجل الذى أعاد بناء الجيش، وقاد حرب الاستنزاف المجيدة، وكان قائدًا للكلية الحربية لعشر سنوات، وتخرج على يديه أجيال كثيرة من ضباط الجيش المصرى، ثم عين رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة، واكتفى السادات بوضعه تحت الإقامة الجبرية، وظل فى منزله يقرأ ويكتب مذكراته العسكرية التى ظهرت فى نهاية الثمانينيات فى ثلاثة أجزاء، (وكان لى الشرف أن قمت بإخراجها وتصميم أغلفتها بتكليف من الأستاذ محمد فائق وزير الإعلام الأسبق وصاحب دار المستقبل للنشر)، والتى كشف فيها عن أسرار كثيرة، كان أهمها ما قدمه من أدلة قاطعة عن أن خطة حرب أكتوبر وضعها عبد الناصر تحت اسم «جرانيت 200»، لكنه توفى قبل تنفيذها، وجاء السادات ليمحو كل هذه الحقائق وينسبها إليه دون ذكر لكل هؤلاء الأبطال، إذ يعتبر كل القادة العسكريين أن الفريق أول محمد فوزى هو الأب الروحى لإعادة بناء القوات المسلحة وتحديث البنية الثقافية والمعرفية لنسيج الجيش المصري، عن طريق المجند المصرى، إذ استأذن القيادة السياسية آنذاك، بدعم القوات المسلحة بخريجى الجامعات والمؤهلات المتوسطة بنسبة 97% من المجندين بدلا من نسبة 3% فى عهد المشير عامر، وهذا ما أحدث نقلة نوعية فى تطوير قوام الجيش المصرى واستيعابه لأحدث الأسلحة الروسية المتطورة التى أمدنا بها الاتحاد السوفيتى بعد النكسة.
وبالرغم من أن إعادة بناء الجيش المصرى، وإعداده لحرب أكتوبر ترتبط ارتباطا وثيقا بجهود الفريق فوزى كوزير للحربية، إلا أن اسمه لم يذكر أبدا بعد انتصارات أكتوبر 1973 وظل الأمر كذلك طوال فترة حكم السادات، وواصل مبارك نهج التجاهل على الطريقة الفرعونية، فنسب إعلام مبارك نصر أكتوبر للضربة الجوية الأولي، بالرغم من أن الفريق فوزى كان أستاذه فى الكلية الحربية، فكان التجاهل الرسمى المتعمد لهذا البطل العظيم يتم عن قصد، لأن ذكره سيعنى ذكر ريادته العسكرية فى بناء الجيش الذى انتصر فى حرب أكتوبر 1973 ما يعنى بالطبع الفضل لجمال عبد الناصر الذى حدد له هذه المهمة وكان يباشرها بنفسه على الجبهة بين الجنود وفى الخنادق لحظة بلحظة، فتحية لكل أبطال أكتوبر الذين صنعوا النصر بدمائهم.










