رشاد كامل
طلعت حرب ينقذ إحسان عبدالقدوس!
طلعت حرب راجع!!
ثلاث كلمات تملأ الشوارع وإعلانات التليفزيون، تحمل اسم الرجل الذى وصفته السيدة «روزاليوسف» ذات يوم بأنه «أعظم رجل فى مصر»!!
لقد كتبت السيدة «روزاليوسف» بعض الجوانب عن مساندة «طلعت حرب» لها فى أزماتها المادية خاصة فى فترة إصدارها جريدة «روزاليوسف-اليومية» فى فبراير سنة 1935، كما أسعدنى الحظ أن أكتب كتابًا أعتز به هو «طلعت حرب ضمير وطن» فى عام 1990 صدر منه أكثر من طبعة نفدت جميعها.
ولم يتوقف اهتمامى بزعيم ثورة 1919 «طلعت حرب» عند هذا الحد فقد تجمعت لدىّ عشرات الحكايات والأسرار عن تلك العبقرية الفذة، وأتمنى أن أتفرغ لها فهى تصلح لإعداد كتاب آخر عنه!!
وضمن أوراقى وجدت مقالا نادرًا للكاتب الكبير الأستاذ «إحسان عبدالقدوس» عن طلعت حرب وعنوانه «الرجل الذى أنقذنى» نشره فى «روزاليوسف» وقت رئاسته لتحريرها فى بابه الشهير «أمس واليوم وغدًا» وفى هذا المقال كتب الأستاذ «إحسان» يقول:
«إن النقود تمثل مجهودًا بشريًا، تمثل طاقة الإنتاج فى الإنسان الورقة ذات الجنيه التى تحملها فى يديك لا تمثل قطعة من الذهب مودعة فى البنك الأهلى - كما قد يخيل إليك - ولكنها تمثل مجهودًا بذله عامل مصرى لمدة يومين، أو تمثل مجهودًا بذله مهندس أو محام أو موظف.. أو بائع.. إلخ!!
وكان هذا الجهد المصرى تستولى عليه الدول الأجنبية، ولذلك كنا نقول إن الاستعمار يمتص دماءنا وأن الرأسماليين الغربيين هم مصاصو دماء.
ونقل الدم الذى نبذله ونحرقه فى طاقتنا الإنتاجية من عروقنا إلى عروقهم، والأداة التى كانت تقوم بعملية نقل دمنا هى البنوك الأجنبية.
وثار مصرى اسمه «طلعت حرب» ورفض أن يعطى ذراعه للدول الاستعمارية لتمتص منه الدم وقرر أن تبقى دماء المصريين للمصريين فأنشأ «بنك مصر» ولم تكن مهمة «بنك مصر» هى مجرد إجراء عمليات مصرفية كما يبدو فى ظاهرها، بل كانت مهمته الأساسية هى أن تبقى طاقة الإنتاج المصرية فى مصر، أن يزرع الفلاح المصرى القطن، ليصنعه على آلات مصرية.. يديرها عمال مصريون.. ويبيعه مصريون والصناعة مصرية والفلاحون والعمال المصريون، وهكذا تستمر الدورة الدموية فى عروق مصر!
ولم يكن «طلعت حرب» رجلاً مصرفيًا أو «بنكير» يسعى لجنى الربح بكل طرق الربح، بل كان صاحب فكرة، صاحب رسالة، وكانت رسالته هى أن يصون لمصر دماءها لتعيش بها وتنهض وتنمو!!
ويصل الأستاذ «إحسان عبدالقدوس» إلى قصة «طلعت حرب» مع المجلة فيكتب قائلاً:
وطلعت حرب ساهم فى هذه المجلة فى «روزاليوسف» لا كصحفى ولكن كمصرى يؤيد رسالة مصرية.. وكانت «روزاليوسف» قد أتعبتها محاربة الإنجليز والحكومات الموالية للإنجليز وكان مكتوبًا عليها أن تنهزم فى المعركة التى تخوضها وأن تلقى نفسها تفلس وتختفى من الميدان، وتقدم «طلعت حرب» وأقرض مجلة «روزاليوسف» ألفين من الجنيهات بضمان الآلات القديمة التى كانت تملكها وبضمانه الشخصى.
وكان المبلغ صغيرًا ولكنه كان كافيًا ليرد الدماء إلى عروقنا ولتواصل المجلة رسالتها، وهذا المبلغ الصغير قضت «روزاليوسف» عشر سنوات تسدده على أقساط صغيرة، و«طلعت حرب» صابر لا يتعجل لأنه مصرى يحس بما تتكلفه دار مصرية تحمل رسالة «روزاليوسف».
هل كان هناك بنك آخر يمكن أن ينقذ مجلة «روزاليوسف»؟!
لو كانت مجلة إنجليزية لأنقذها بنك «باركليز» ولوقف مديره نفس الموقف الذى وقفه طلعت حرب! ولو كانت مجلة فرنسية لأنقذه بنك الكريدى ليونيه، ولو كانت إيطالية لأنقذها البنك الإيطالى!!
ولكنها مجلة مصرية صاحب رسالة مصرية وهى تتحمل عبئًا كبيرًا من الاضطهاد ولم يكن يستطيع أن ينقذها إلا بنك مصرى وطلعت حرب، إن البنوك لها دائما مهمة وطنية وقد كانت مصر ينقصها الأداة التى تصون حركتها الوطنية إلى أن ظهر فيها «طلعت حرب».
ماذا كان يمكن أن يحدث لـ«روزاليوسف» لولا طلعت حرب؟! وأين كان يمكن أن أكون أنا وبقية زملائى الذين يعملون معى؟! ومن كان يحمل هذه الرسالة الثورية التى حملتها «روزاليوسف».
لا أدرى! ولا أدرى ماذا كان يمكن أن تكون عليه حال مصر كلها الآن لو لم يظهر فيها «طلعت حرب» الرجل الذى جمع دماءنا ليعيدها إلى عروقنا الرجل الذى سار أمامنا فى الطريق الصعب».
شكرًا.. إحسان عبدالقدوس... شكرًا طلعت حرب!!






