رشاد كامل
«أنعام محمد على» ونصائحها لأهل الدراما!
أرجو أن يعى كل مبدع وهو ينسج فنًا بالقلم أو بالكاميرا، أن إبداعه هذا سيدفع مجتمعه إلى الخلف أو ينطلق به إلى الأمام.
بهذه السطور الحاسمة القاطعة اختتمت المبدعة والمخرجة الرائعة الأستاذة «أنعام محمد علي» مقالها البالغ الصدق والخطورة وعنوانه «الدراما التليفزيونية وخطاب العنف والكراهية» فى الزميلة الأهرام منذ أيام!
مقال مهم يأتى من مبدعة جادة وصادقة لم نضبطها يومًا متلبسة بإخراج مسلسل نص نص أو ردىء، فهى صاحبة أجمل المسلسلات ولعل أشهرها «أم كلثوم» و«قاسم أمين» وغيرهما مسلسلات تضيء العقل والقلب بجانب المتعة الفنية!
فى البداية تقول «السيدة أنعام محمد علي»: دعونا نتفق أن الفن الأصيل له دور كبير فى الارتقاء بمستوى الوعى الذهنى والحس الوجدانى للإنسان يجعله أكثر تحضرًا وإحساسًا بالآخر وأقوى انتماء وحبًا لمجتمعه وأسرته إلى آخر هذه الصفات الحميدة التى تسهم فى تقدم الأمم».
وتستعرض بعد ذلك عددًا من المسلسلات المهمة مثل «الجماعة 2».. و«عد تنازلي» و«الداعية» و«دوران شبرا» وقاسم أمين وتصفها بالقول: «هذه نماذج لأعمال درامية تناولت قضايا الإرهاب من زوايا متعددة وفى أزمنة مختلفة اكتملت فيها عناصر الجودة فى كتابة النص والإخراج والأداء التمثيلي، ومن خلال هذه العناصر مجتمعة حمل العمل المعروض شحنة صد كبيرة للمشاهد».
باقى المقال بمثابة روشتة ورؤية مهمة لما ينبغى أن تكون عليه الدراما التليفزيونية فتقول: «تعرض التليفزيونيات خلال شهر رمضان كل عام العديد من المسلسلات التى يكون لبعضها تأثير سلبى فى خلق بيئة ثقافية تسهم فى انتشار التطرف والتعصب ونبذ الآخر، مثل المسلسلات البوليسية وهى الموجة التى طفت على السطح منذ عدة سنوات، وامتلأت بها الشاشات، هذه الأعمال تعتمد على الاثارة والبطل الخارق الذى يجمع فى شخصه كل المهارات (غالبًا ما يكون العمل مقتبسًا أعمالاً أجنبية) ويتسم بالمعالجات الميلودرامية التى تسود فيها مشاهد العنف والقتل والدواء والبلطجة واستخدام كل انواع الأسلحة لدرجة أسهمت فى نقل هذه السلوكيات إلى الشارع!
ويعرض سنويًا عدد من المسلسلات الاجتماعية التى تركز أحداثها على ظواهر الفساد المختلفة من رشوة ومخدرات ودعارة وخيانات زوجية وسلوكيات مبتذلة وحوارات متدنية ودجل وشعوذة.. إلخ ومن خلال معالجات ميلو درامية صارخة قد نرى شخوصًا تترنح من الظلم الاجتماعى الواقع عليها إلى درجة يدفعها لرفض المجتمع القائم والعصف بالقانون وأخذ الحق بالأيدي!!
باختصار كثير من المسلسلات لم تحتو على نماذج إيجابية فأختارت أبطالها من النماذج السلبية معه اختلال فى التوازن بين الخير والشر وقلة وجود معادل موضوعى يفتح نافذة أمل أو يستشرف مستقبلًا أفضل!
بعد ذلك الرصد البديع والأمين تقدم بعض التوصيات المهمة ومنها «وضع خطة درامية تلبى احتياجات المشاهد فى دراما مختلفة ومتنوعة تسهم فى إذكاء فكره ووجدانه وتنشئة أولاده وتنمية قيمة الانتماء والارتباط بالوطن، والاكثار من الأعمال الوطنية التى تجسد انتصارات مهمة فى تاريخنا الحافل بها، حيث يقود جيشنا الباسل هذه الأيام معارك مصيرية للدفاع عن الوطن والهوية ويسقط من أبنائه ومن أبناء الشرطة يوميًا الشهداء، كل شهيد منهم يصلح بطلًا لعمل درامي.
ومن توصياتها أيضًا:عودة إنتاج المسلسلات الدينية وإنتاج أعمال درامية ترصد ما يحدث فى مصر اليوم من متغيرات فى الخريطة الاجتماعية والسكانية، وعودة إنتاج دراما السير الذاتية على أن تكون رموزها من مختلف المجالات فالأجيال الجديدة تحتاج للقدوة فلا تترك الأمور بلا ضابط فتصبح القدوة لها هى «الأسطورة»!
ولعل أهم ما تطالب به أنعام محمد على وهى المبدعة القديرة هو تفعيل دور أجهزة الرقابة واختيار أشخاص من الرقباء على دراية ووعى وإدراك بمهام عملهم حتى لا تتحول الرقابة إلى قيد على حرية الابداع، والاهتمام بالمحتوى الفنى بالتوازى مع الشكل، ولا بد من البحث عن كتاب لديهم وعى بهموم ومشكلات وطنهم ورؤية ومهارة حرفية تعيد تشكيل هذا الواقع وتستشرف من خلاله مستقبلاً أفضل، وضرورة عودة قطاعات الدولة الإنتاجية المشاركة فى الإنتاج الدرامى ولا تترك الساحة للقطاع الخاص الذى هدفه الأول الربح يليه أى أهداف أخري، أما قطاع الدولة فمنوط به تقديم أعمال درامية تسهم فى بناء الوطن عقليًا ووجدانيًا وسلوكيًا، والاضطلاع أيضًا بإنتاج أعمال قومية كبري.
ولم أكن أظن أن الست أنعام محمد على «تمتلك هذه الرؤية الواضحة والرائعة لدور الدراما، فقد سبق مقالها أعمالها التى دخلت كل بيت مصرى وعربي!






