رشاد كامل
ذكريات العقاد فى «روزاليوسف اليومية»!
فى زمن الكبار كان الخلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية!
وكان الخلاف هو خلاف مبادئ وأفكار لا خلافات وأحقاد شخصية وطعن فى الذمم والأخلاق..
ولعل قصة خلاف السيدة «روزاليوسف» مع كاتب جريدتها الأول «عباس العقاد» هى خير نموذج لذلك، لقد اختلفا بسبب مقال كتبه صديق للعقاد «ملأه بالمطاعن الجارحة والقذف الشديد فى شخص مصطفى النحاس باشا زعيم الوفد ومكرم عبيد سكرتير الوفد لا سياستهما!
وعندما لم يجد العقاد مقال صديقه منشوراً فى جريدة «روزاليوسف اليومية» ذهب إلى جريدة الأهرام فى 20 ديسمبر سنة 1935 وكتب فيها بيانا يقول إنه تخلى منذ أمس عن التحرير فى جريدة «روزاليوسف».
وتعترف «روزاليوسف» بأن خروج «العقاد» من «روزاليوسف» ومن قبله د.محمد عزمى رئيس التحرير كان ضربة أخرى أصابت الجريدة فى أيام محنتها وتكتب السيدة «روزاليوسف» بيانا للقراء توضح فيه حقيقة ما جرى فتقول: «قد تخرج اليوم بعض الزميلات على الناس بنبأ أو إشارة إلى نبأ تخلى الاستاذين «عباس محمود العقاد» و«محمود عزمى» عن عملهما فى جريدتى اليومية وأنى لأبدأ هذا الكتاب بتوجيه أصدق التمنيات لهما فى أعمالهما الجديدة مشتركين أو منفصلين..
أما بعد فإنى أرى أن أكتفى بهذا بالنسبة للاستاذ «عزمى» الذى يهم الصالح العام فى خلافه وإياى شىء يسير أفضل الاستغناء عن طرحه أمام الناس إلا إذا شاء الاستاذ الفاضل أن يشرك الرأى العام فيه والمشيئة فى ذلك له وحده!
أما الاستاذ الكبير «العقاد» فخلافنا معه خلاف يمس الرأى العام والنفع العام عن قرب، ومن حق الناس أن يعرفوا شيئا عن تفاصيله وأنه ليؤلمنى أشد الألم أن ينتهى الأمر هذه النهاية بينى وبين العقاد بعد أن تكاتفنا فى العمل ما يقرب من عشرة أشهر كانت فى حياتى - ولعلها أيضا فى حياته - أعز أشهر قضيتها وقضاها فى الكفاح الصارم من أجل الحق والضمير والوطن ولكن يعزينى هو أننا اجتمعنا على الحق والضمير والوطن وأفترقنا أيضا على الحق والضمير والوطن».
انتهى رد السيدة «روزاليوسف» المتحضر التى تحمل كل الود والتقدير له كاتبا وإنسانا وقد سبق ووصفته بقوله: «العقاد إنسان طيب القلب ليس هناك أسهل من كسبه وأنه ليكفى أن توافقه على رأيه لكى يهدأ ويسكن ويصبح الموج الهادر بحيرة هادئة».
وتمضى السنوات ويبقى الاحترام كله بين فاطمة اليوسف والعقاد حتى جاءت مناسبة احتفال المجلة بعيد ميلادها ويكتب «العقاد» مقالا مهما فى مجلة «روزاليوسف» بعنوان: «روزاليوسف ذكريات للاستاذ الكبير عباس محمود العقاد وكان بأكمله عن ذكرياته فى الجريدة اليومية حيث كتب يقول: «ذكرياتى عن صحيفة روزاليوسف اليومية كثيرة متعددة لا يحصيها مقال واحد وسيأتى اليوم الذى أسجلها فيه تسجيلا مفصلاً مسهبا فى كتاب خاص بالقضية المصرية والحركة الوطنية فى أطوارها الأخيرة ولكن الذى يحضرنى منها اليوم أننى لم أدخل مكتب الصحيفة قط نهارا أو ليلا إلا عجبت كيف تصدر هذه الصحيفة فى صباح اليوم التالى؟! فقد كانت تجمع فى تحريرها وإدارتها بين أصحاب الفنون على اختلافها من شاعر إلى زجال إلى ممثل إلى مصور إلى موسيقى إلى ناظر فى الشئون الفنية يهتم بها وإن لم يكن من أصحابها!
وكانوا جميعا يطلقون لنزواتهم الفنية عنانها كأنهم فى إجازة مطلقة من جميع القيود والتكاليف، فقلما كانت تمر ساعة من ساعات اجتماعهم فى المكاتب بغير مقلب يدبره بعضهم لبعض ولا يسلم منه أحد فى دوره من رئيس التحرير إلى بواب الدار فإن لم يكن مقلباً كبيراً مرتب الفصول والمناورات فعلى الاقل قفشة أو دور من أدوار المحاكاة والتقليد بالاصوات والحركات أو سخرية مهذبة بشخصية من الشخصيات التى يدور عليها الكلام فى أخبار اليوم، ثم يتم العجب العاجب فى الصباح فتصدر «روزاليوسف» عامرة الصفحات والابواب ويتداولها القراء فيحسبونها ثمرة مجهود يضنى الرءوس ويصبب العرق من الجباه!
وهى فى الواقع ثمرة مجهود كبير ولكن المزاج الفنى أسبغ على هذا المجهود الكبير سحراً فإذا هو فرجة تلذ القائمين به وتجعلهم يكدون ويكدحون وكأنهم يلهون ويطربون!
كان بعض الناس يعتقدون أن الطبيعة الفنية والطبيعة العملية نقيضان لا يجتمعان؟! فكانت البيئة التى جمعتها «روزالوسف اليومية» تعلمنا كل يوم أنهم مخطئون فيما أعتقدوه ترينا أن المزاج الفنى يصنع المعجزات لتهوين الصعاب وتحبيب العمل إلى ذويه وأن أحسن اللاعبين هم فى الواقع أحسن الجادين والمنتجين!
ويختتم الاستاذ «العقاد» مقاله بهذه السطور بالغة الأهمية فيقول:
وإذا كُتب التاريخ القضية المصرية فى أطوارها الأخيرة فمما لا شك فيه أن هذه الوليدة الفتية التى لم يطل بها الزمن سوف تقترن بتاريخ مصر الحديث كما لم تقترن به قط صحيفة أخرى فى بلادنا العربية لأن قصتها مقرونة بقصة الوزارة النسيمية وعودة الدستور والجبهة الوطنية والمفاوضة فى المعاهدة المصرية - الإنجليزية وغير ذلك من الوقائع العظمى التى يذكرها أناس ولا يستطيع أن ينساها جملة الناس يوم يكتب تاريخها الصحيح الصريح».
انتهت شهادة العقاد وللحكاية بقية!






