رشاد كامل
روزاليوسف وذكريات النيابة!
ذات صباح فوجئت السيدة «روزاليوسف» بتلقيها إخطارا من نيابة مصر يدعوها للحضور لإجراء تحقيق معها بناء على شكوى ضدها من الصحفى «سليمان فوزى» صاحب مجلة «الكشكول»، وكانت فى عنفوان جبروتها بفضل رسوماتها الكاريكاتورية التى سخرتها للهجوم على زعماء حزب الوفد وفى مقدمتهم «سعد زغلول باشا»!
وتقول السيدة «روزاليوسف»: كانت الجرائد الوفدية ترد التحية على الكشكول ولكن بغير سلاحه، فقد كان سلاحها المقالات الطويلة التى تجر وراءها بحر البلاغة والبيان وكان سلاح «الكشكول» الصور الكاريكاتورية التى تركز على المعانى وتقدمها سهلة هينة إلى الجمهور!
وكنت كلما قرأت الكشكول وهو ينال من «سعد» العظيم أقضى ليلة مزعجة أتمنى أثناءها أن يحولنى الله من امرأة إلى رجل لأذهب إلى الأستاذ «سليمان فوزي» صاحب الكشكول وأضربه علقة وزغدين!
وكنت أقابل تحية الكشكول بتحية أحسن منها، ولكن بغير مبالغة فى الخدش والتجريح، وأخيرا حلا لتلك المجلة أن تهاجم «حرم الأستاذ مكرم عبيد» «أحد زعامات الوفد» على طريقة فرش الملاية على المفتوح، فلم أتردد فى الكيل للكشكول من نفس الوعاء الذى يرش منه الماء الآسن، يدفعنى إلى ذلك عاملان: عامل الحزبية وعامل الغيرة على واحدة من بنات جنسى!
وبدأت معركة حامية بينى وبين الأستاذ «سليمان فوزى» أثارت اهتمام الناس وارتفعت مدتها مقطوعية المجلة، وسرعان من انقلب الاهتمام إلى دهشة بعد أن رأى الناس أنه يوجد فى السويداء سيدة تضرب رجلا ولا ككل الرجال على عينيه الجوز! رجل لم يسلم أحد من لسانه!
وفى ذات يوم من أواخر شهر مايو وصلنى إخطار من نيابة مصر لإجراء تحقيق معى بناء على شكاية الزميل سليمان فوزى، كانت دهشتى عظيمة وكان زهوى أعظم!
دهشت أن أرى الرجل الذى لم ينج أحد كبيرا كان شأنه أم صغيرا من لسانه، الرجل الذى يجرح الكرامات ويثير الغبار فى كل وجه، يتأثر أخيرا من جرح كرامته وما أثرته فى وجهه من غبار، وزهوت إذ رأيته يلقى السلاح ويلجأ إلى النيابة!
وهكذا سرت إلى النيابة للمرة الأولى فى حياتى يتملكنى زهو وإعجاب ذهبا بكل ما كان يصح أن يتولانى من خوف ورهبة!
وتمضى السيدة «روزاليوسف» قائلة: «فى مثل هذه القضايا يتولى التحقيق أحد وكلاء النيابة، ولذا عجبت العجب كله إذ أدخلونى حجرة نيابة مصر وكان يشغل هذا المركز فى ذلك الوقت - سنة 1928 - المرحوم محمد بك نور، دخلت الحجرة يصحبنى الأستاذ «زهير صبرى» المحامى فوجدتها غاصة بعدد كبير من المستشارين ورجال القضاء والمحامين فوجمت ولكن حسن استقبالهم لى أعاد الريق يجرى متدفقا فى فمى وعلمت بعد ذلك أن هذا الجمع قد جاء ليتفكه برؤية الجدع سليمان يشكو الحرمة «روزاليوسف»!
وبعد برهة حضر الأستاذ «سليمان فوزى» بصحبة محاميه الأستاذ “أحمد رشدى” وفتح المحضر الفكاهى الذى لن أنساه وهو محضر شفوى لم نثبت فيه أقوالا ولا أفعالا وبدأ سعادة رئيس النيابة هذا التحقيق الخفافى «قائلا»:
ما كنت مسافرة يا ست فاطمة وكان الواحد أهو بيمرمط فى العيال الصحفيين اللى عندك! «ومد يده مشيرا إلى أخينا الجدع سليمان فارتفعت ضحكة عالية أطلقها الأستاذ زهير صبرى محامى الهمام وابتسمت أنا بدورى».
وسأل: بتشتمى ليه حرمة سليمان فوزى؟! قلت: هو كمان بيشتمنى وأنا كمان حرمة! قال: أيوه لكن أنت حرمة عمومية!
تقول «روزاليوسف»: ذهلت لكلمة «عمومية» هذه وبدا علىّ التأثير ولاحظ سعادته ذلك فأخذ يشرح فى اعتذار وتلطف أن المعنى الذى يقصده بهذه الكلمة هو أننى صحفية، وأننى بحكم ذلك فى طائفة كبار الناس الذين لهم جانب عام ملك للجمهور ففرحت!
وبدأ الأستاذ «سليمان» يشكو ويبدى ألمه وأخذت بدورى أدافع وبين الشكاية والدفاع كان الضحك لا ينقطع، وأخيرا وبعد الضحك وتشفى الحاضرين فيما نال الجدع سليمان من الحرمة «روزاليوسف» طلب إلى أن أعتذر إلى الجدع سليمان فرفضت ورأسى وألف سيف!
وانفضت الجلسة على أن يفتح المحضر بحق وحقيقى على يد الأستاذ «زكى سعد» أحد وكلاء النيابة وانصرفت بعد أن حييت صديقى اللدود الجدع سليمان تحية مناويشية قابلها بهرش الرأس بعد أن ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة ق
لبت أطراف أذنيه!
وللحكاية بقية






