رشاد كامل
هدية الحكومة لـ «روزاليوسف»
بعد ساعات قليلة من تشكيل وزارة »محمد محمود باشا« فى 27 يونيو سنة 1928 بعد أن أقال الملك “فؤاد” حكومة “مصطفى النحاس باشا» وصفت السيدة “روزاليوسف” تلك الفترة بقولها: هذه الأيام لا يمكن أن أنساها!
وتضيف: ففى اليوم الأول من قيام الوزارة الجديدة استدعانى بالتليفون الدكتور “فريد رفاعى” مدير إدارة المطبوعات فذهبت إليه فى مكتبه وقابلنى بلطفه ـ الكليشيه المعروف- وبعد أن قدم لى دروس الوعظ فيما يجب أن يكون عليه الصحفى فى زعمه؛ طلب إلىّ ألا أتورط فى مهاجمة أعضاء الوزارة الجديدة، لأنها وزارة قوية ستأتى بالعجائب، وأن أولى عجائبها تعطيل البرلمان لمدة شهر ابتداء من اليوم .«!»
ونصحنى بأن أمسك العصايا من الوسط، وأن القرش الأبيض ينفع فى اليوم الأسود، وأشار إلى الدواة المملوءة بالحبر الأسود، فنظرت إلى الحبر ثم إلى وجهه وصارحته بأنه لا شىء يستطيع أن يغير بى من عقيدتى وأننى سأناصر “النحاس باشا” ما دمت أعتقد أنه على حق!
وانصرفت وأنا أفكر فى هذا الرجل العجيب، بعد أن كان يحادثنى منذ أسبوعين فى فضائل “النحاس باشا” ويهنئنى على خطتى التى أسير عليها فى مناصرة الوفد!
وانطلقت إلى إدارة المجلة أطالب الزملاء المحررين بأن يشتدوا فى حملتهم على الوزارة!
وفى اليوم التالى وكانت الساعة الثانية بعد الظهر جاءتنى مربية ابنتى تعلن عن قدوم زائر غريب فى الصالون!
دخلت الصالون فإذا بى أرانى وجهًا لوجه مع الأستاذ “فريد رفاعى”؛ جاءنى يريد أن يطمئن على حالتى النفسية بعد الموقف الذى وقفته معه فى مكتبه بالأمس وأخذ يبذل لى وعودًا جديدًا.
يقول المثل العامى “غشيم ومتعافى” وقد كنت كذلك فى موقفى معه إذ ذاك! فلم أجد ما أرد به على وعوده سوى ذكر ما نويت نشره فى عدد المجلة الذى يجرى طبعه، وأخذ يستدرجنى بخبثه المعهود حتى وقف على محتويات العدد من مقالات وصور وتركنى وأنا منتفخة زهوًا وخيلاء!
وفى الساعة التاسعة من صباح يوم 30 يونيو وهو اليوم الثالث لقيام الوزارة الجديدة دق جرس التليفون وإذا بى أسمع أحد عمال المطبعة يقول لى فى صوت مرتعش: تعالى يا ست لأحسن بيصادروا العدد!
كان أول عجبى أن يكون هناك شىء اسمه “مصادرة» لمتاع أملكه، اشتريته بدمى وكفاحى، وكبست البرنيطة على رأسى وأنا ذاهلة من نفسى وجريت إلى المطبعة فوجدتها محاطة برجال البوليس، ووجدت بداخلها مأمور قسم عابدين الأستاذ “رضا عقدة” وضابط من القسم السياسى واثنين من الكونستابلات الإنجليز!
كان أول همى أن أستوثق من أن مقالات العدد وصوره قد أجرى طبعها كما أريد، ولشدة ما كانت دهشتى عندما منعنى الضابط عن أخذ نسخة واحدة من العشرين ألف نسخة المكدسة أمامى فى شبه أعمدة من الرخام!
وبعد أخذ ورد سمح لى بأخذ نسخة واحدة تصفحتها على عجل حتى انتهيت إلى الصفحة رقم 13 وفيها صورة كاريكاتورية كبيرة تمثل رئيس الوزراء وهو يدوس الدستور ليجلس على كرسى الوزارة، فأنبسط.. أجل أنبسطت أساريرى وأخذت أرى المأمور والضابط والكونستابلات تلك الصورة التى كان يقابلها كل منهم بسخنة عجيبة!
وللحكاية بقية!






