رشاد كامل
خناقة الأدب العالى مع “روزاليوسف!”
كان آخر ما يخطر على بال أصدقاء السيدة “روزاليوسف” من الفنانين والأدباء والصحفيين أنها قررت أن تصدر مجلة للدفاع عن الفن وأهل الفن، وبعد مناقشات عديدة برزت مشكلة اسم المجلة!
وكان من ضمن الحاضرين الأستاذ «زكى طليمات» الفنان والمخرج المسرحى وزوج السيدة “روزاليوسف” وقتها، التى تروى تفاصيل ما جرى بقولها: “أخذ كل من الحاضرين يعتصر قريحته ويطلق اسمًا معينًا فلا يلاقى من زملائه سوى الاستهجان والتبويخ، «وصمت الأستاذ “زكى طليمات” برهة طويلة ثم قال: إنتو عاوزين مجلة تروج تمام؟! فأجبت: طبعًا!
وهنا أخذ زكى يلقى علينا محاضرة طويلة يدلل بها على تعطش الجمهور إلى “الأدب العالى” ويؤكد لى أنه إذا صدرت مجلة وخصصت لهذا النوع من الأدب لنام القراء على باب المطبعة فى انتظار صدورها!
واختتم محاضرته باقتراح تسميتها باسم “الأدب العالى”.
وهنا وجد أصدقائى المجال فسيحًا للقفش والتنكيت فمن سائل يسأل صاحب الاسم: والأدب العالى ده مش يطلعوا له بسلم برضه؟! وآخر يردف: يمكن يا أخى مش عالى قوى! ثم يلتفت لزكى ويقول: هوه كام دور يا أستاذ؟!
واشتد مجونهم وكثرت الأسماء المقترحة، ولكن كلها لم ترق لى وأخيرًا خطر لى خاطر فقلت: ولماذا لا أسميها باسمى “روزاليوسف”؟!
ورغم اعتراض الجميع إلا أن السيدة “روزاليوسف” أصرت على هذا الاسم، وبدأ الإعداد لإصدار المجلة وكان “زكى طليمات” يرى أن تكون المجلة خاصة بالأدب الكلاسيكى الذى يتعطش الجمهور لمطالعته كما يزعم! وتمضى “روزاليوسف” قائلة:
وأخذ الزملاء أعضاء هيئة التحرير يعملون بكل جد ونشاط وكل منهم ينمق ألفاظه ويستوحى بطون القواميس ليحشر فى مقاله ما تيسر من الكلمات اللغوية العويصة تمشيًا مع “الأدب العالى “المتفق عليه ليكون هو اللون الأدبى المسيطر على المجلة، حتى الأستاذ “التابعى” الذى كان معروفًا بخفة أسلوبه، فقد طرح خفة الأسلوب جانبًا واستعار لغة سيبويه ليتحدث بها إلى الممثلين والممثلات فى القسم الفنى الذى اضطلع به!
وكان قسم التحرير قد تباطأ فى مهمته واقترح “زكى طلميات” أن نستعين بمقالات من كبار الكتّاب والصحفيين المعروفين لندخل فى روع الجمهور أن هؤلاء الكتّاب فى هيئة تحرير المجلة تحقيقًا للرواج المنشود!
بعد ذلك أرسلت “روزاليوسف” بالمقالات إلى المطبعة لتواجه مشكلة لم تكن فى الحسبان فتقول: “أخذ العمال يبعثون بالبروفات ليتولى زكى طليمات تصحيحها فكان يصححها على النحو المعروف عند معلمى المدارس حين يصححون كراريس الطلبة مما أثار ثائرة عمال المطبعة وأزمعوا الإضراب عن طبعها، وبعد جهد جهيد تمكنت من إقناع العمال بالعودة إلى المجلة، وأنزلت جام غضبى على “زكى طليمات” الذى لم يتعلم التصحيح ليرضى العمال الثائرين”.
وتضيف: “صدر العدد الأول فى موعده المحدد “أكتوبر سنة 1925” وما كدت أرى المتعهد يحمله من المطبعة حتى شعرت كأن كابوسًا ثقيلاً قد انزاح عن صدرى، وكنت كلما رأيت واحدًا يشترى المجلة ويدفع ثمنها للبائع غمرني السرور.
أما الذين كانوا يمرون بالبائع ولا يتناولون المجلة فقد أثاروا حنقى حتى لقد اعتزمت أكثر من مرة أن أمسك بخناقهم وأمعن فى بهدلتهم لعدم تقديرهم ما تحتويه المجلة من آيات الأدب العالى»!
وبدأ الإعداد للعدد الثانى وتدبير نفقاته وتقول “روزاليوسف”: “كانت الورطة أشد من أن تحتمل، وزاد فى حرج الموقف أن الأستاذ زكى طليمات كان قد سافر إلى أوروبا فى بعثة وزارة الأوقاف، ولم ينس قبل سفره أن يوصينا خيرًا بالأدب العالى والتحليق فى جو الفلسفة وهذا كل ما استطاع الأستاذ أن يقدمه لنا من المساعدة”.
وللحكاية بقية!






