رشاد كامل
«روزاليوسف» وزكى طليمات وأيام باريس!
فوجئ قراء «روزاليوسف» بصدور العدد الثالث من المجلة وهو يحمل صورة فوتوغرافية لشاب وسيم مكتوب أعلاها «الأستاذ زكى طليمات عضو بعثة التمثيل» وتحت الصورة عدة سطور تقول عنه:
“أديب ولع بفن التمثيل منذ الصغر وازدادت مواهبه وضوحًا عامًا بعد عام إلى أن شملته رعاية حضرة صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم «فؤاد» فأوفدته وزارة المعارف العمومية إلى فرنسا لدراسة فن التمثيل وقد أبحر إليها يوم الثلاثاء الماضى رافقته السلامة”.. وكان العدد يحمل تاريخ 9 نوفمبر سنة 1925.
وبسفر «زكى طليمات اختفت الخلافات والمناوشات بينه وبين أسرة تحرير المجلة فهو يتمسك بأن تكون المجلة للأدب العالى» والمواد الثقافية والفنية، «والتابعى لا يكف عن السخرية بهذا الأدب العالى والتذكير بأرقام التوزيع الهابطة».
وتقول «روزاليوسف»: «عُنيت بسؤال طائفة من القراء عن ملاحظاتهم على مواضيع المجلة فأدهشنى أن تكون الآراء مجمعة على الشكوى من الأدب العالى» والمواضيع الثقافية وغيرها! فرحت أسخط على ذلك الأدب العالمى وعلى من يناصرونه!
وهنا بدأ تفكير السيدة «روزاليوسف» فى إضافة السياسة إلى الترخيص الصادر للمجلة وحسب شهادتها أصبحت «روزاليوسف» مجلة سياسية، دخلت ميدان السياسة وحيدة لا يسندها حزب ولا يمولها حاكم ولا يدبج لها المقالات كاتب سياسى قديم..
وقررت أن أعطى نفسى إجازة وأسافر إلى باريس لرؤية زوجى زكى طليمات واستقبلنى فى مارسيليا ليحمل على كتفه ابنته ميمى وبدأت المشاحنة بينى وبينه فى القطار بخصوص اشتغالى بالسياسة، فلم أجد بدًا من دفع هجومه وصرفه عن الموضوع بهجوم كبير من جانبى وتذكرت المثل المعروف «خدوهم بالسوط ليرعبوكم» وبدأت المعركة بانتقاد طريقته فى تسوية أظافره وفى اختيار لون ملابسه فلم نصل بالقطار إلى باريس إلا وكان بسلامته قد رفع الراية البيضاء!
وعدت بعد ثلاثة أشهر إلى مصر وكنت أبعث إلى المجلة برسالة أسبوعية طويلة عن خواطرى ومشاهداتى فيها، وأقبل صيف عام 1927 فقررت السفر إلى فرنسا طلبًا للراحة والنوم الهنىء فى جوار الزوج المذكور الذى كانت تأتى خطابته وهى تفيض بأخبار الفن والفنانين وبتوفيقه فى فن الإخراج والذى منه، مما جعلنى أرغب فى رؤيته وأتاكد من سلامة عقله!
جاءتنى فى باريس أنباء خطيرة عن المجلة فقد كتب الأستاذ التابعى سلسلة مقالات بلا توقيع عن الحياة الخاصة لملوك وملكات أوروبا بعنوان «ملوك وملكات أوروبا تحت جنح الظلام»، وألقت النيابة القبض على الرجل الذى أنبته فى رئاسة التحرير أثناء سفرى «إبراهيم خليل والاستاذ التابعى» وكان معناه توقف المجلة عن الصدور لمدة أسبوعين!
وعلى الرغم من عودة المجلة إلى الظهور لم أطق الإقامة فى باريس وحاول زوجى أن يقنعنى بالبقاء وعبثًا أخافنى من ركوب البحر فى فصل الشتاء، لم أعبأ بكل هذا وحملت طفلتى آمال على كتفى وركبت البحر فى 21 فبراير وكان البحر هادئًا على غير المعتاد!
وفى أواخر عام 1928 عاد زوجى الأستاذ «زكى طليمات» من فرنسا على ظهر الباخرة «شامبليون» وقد أتم دراسته الفنية على أحسن حال فى أوروبا، استقبلته فى الإسكندرية فكان أول حديث أجراه معى خاصًا بموقفى المعارض للوزارة وطلب منى أن أغلق المجلة بالضبة والمفتاح وأذهب معه إلى باريس بعد تصفية أعماله فى مصر لنعيش هناك ردحًا طويلا من الزمن يقوم هو بتأدية رسالته الفنية فى مسارح باريس بعد أن عرض عليه استاذه مدير مسرح «الأوديون» منصبًا فى الإدارة الفنية، وأخذ يزخرف لى القول ويبنى لى القصور ويمنينى بأننا بعد ذلك نعود إلى مصر لنعتلى خشبة المسرح العربى فى ظروف طيبة غير هذه الظروف!
أصغيت إليه جيدًا وكان يتكلم بيديه ورأسه ولسانه ومنديله المهفهف فخيل إلى أننى آراه يمثل دورًا جديدًا لا أعرف كيف أتقنه؟! وبعد أن تأملته باسمه وكان الطربوش على رأسه والقبعة فى يمينه قلت له بحماس: برافو يازكى!
وللحكاية بقية!






