رشاد كامل
.. ودخل التليفزيون بيت العقاد!
«التليفزيون دخل البيت رقم 13 شارع السلطان سليم بمصر الجديدة للمرة الرابعة وكان لابد أن يتزحزح دولاب كبير به» 200 مائتى» كتاب من المكان الذى احتله من عشر سنوات على الأقل، والدولاب به خناقة علمية لم تنته بعد، ففيه نظريات حول الإنسان وهل أصله قرد؟! وهل أصله سمكة أو عصفور؟! جاء التليفزيون نصر 23 بوصة وحسم هذه المناقشة وطرد الدولاب واستقر فوق ترابيزة أسيوطى وكان لابد أن يجلس ثلاثة أو أربعة من تلاميذ الأستاذ «العقاد» فى الصالة بعد أن ابتلعت الترابيزة ركن الصالون».
بهذه الكلمات وصف ورصد الأستاذ الكبير «أنيس منصور» قصة دخول جهاز التليفزيون لأول مرة إلى شقة الكاتب والمفكر الكبير الاستاذ عباس محمود العقاد فى مقال بديع اسمه «التليفزيون دخل البيت رقم 13» ويضيف:
«وجهاز التليفزيون هو أحدث جهاز دخل بيت «العقاد» فكل ما فى بيت العقاد قديم متهالك، البيت نفسه قديم جدًا إيجاره أربعة جنيهات ومن 27 سنة! ولكن أحدث من التليفزيون العقاد نفسه فهو أسرع من التليفزيون وأقدر على التقاط النور والثقافة من كل مكان فى الدنيا.
أما كيف دخل جهاز التليفزيون بيت العقاد فكان ذلك على أثر مناقشة طويلة بين أولاد أخى العقاد وبينه ولا أعرف بالضبط كيف أقنعوه لأنه ليس من السهل على إنسان أن يقنع العقاد، فالعقاد من أقوى الناس حجة وقدرة على المناقشة كما قال عنه سعد زغلول!
ولكن النتيجة أن العقاد قد اقتنع، وكان يتصور أن هذا الجهاز فى استطاعته ـ كالراديو ـ أن يأتىِ له بكل محطات التليفزيون فى العالم، والعقاد قرأ أخيرًا أنه يوجد فى أوروبا إيريال فى استطاعته أن يلتقط لك الإذاعات التليفزيوينة من أى مكان!
ويعتقد العقاد أن هذه حالة مؤقتة ولابد أن يجئ الإيريال إلى مصر وبذلك يرتبط العقاد عن طريق هذا الصندوق الجديد بالعالم الخارجى كما ارتبط بالأرض والسماء والماء والحيوان والنبات عن طريق الكتب!
وعلى الرغم من أن العقاد حديث العهد جدًا بمشاهدة التليفزيون فإن له ملاحظات عجيبة، ملاحظات دقيقة ونافذة، فالعقاد يتفرج على الحفلات الغنائية خصوصًا أم كلثوم فهو لم ير أم كلثوم من عشرين سنة، وهو يعتقد أن سلامة حجازى أحسن مطرب ظهر على المسرح العربى وأقدر المغنين وأسلمهم صوتًا!
وقد لاحظ العقاد أن هناك تطورًا واضحًا فى الغناء العربى، فقد تطور التخت وأصبح أوركسترا والمطرب الذى كان يغنى وهو قاعد أصبح يغنى وهو واقف! حيًا معبرًا ممثلاً، وكذلك الآلات انتقلت من الجمود إلى الحياة إلى النبض، لقد أصبحت الآلات الموسيقية حية كالمطرب تمامًا!
ويلاحظ العقاد أيضًا أن الأغانى الجديدة تخفى وراءها شيئًا يسعده جدًا، هذا الشىء هو الاهتمام بالأسرة وبمكانة الأسرة، فهناك أغنية للأم وللأب وللأخ وأغنية الفتاة التى يطلب منها أبوها فنجان قهوة فتعمل له «شاى» وتعطيه لأمها، والمفاجأة والعذاب الشخصى والصراع بين قلبها وعقول الأقارب!
كل هذا يدل على أن التليفزيون قد دعم روابط الأسرة، قد جمع الناس فى مكان واحد وجعل لهم متعة واحدة ثم راح يغنى لهذه الروابط ويناجيها ويشكو من قوتها ومن صعوبتها ولكن هذه الشكوى تجعل الأسرة أكثر قوة!
فالتليفزيون هو الذى بنى الأسرة وأقام أركانها وجاءت الأغنية تعبر عن حال بنات العائلات وتهتف بحياة القيم الأخلاقية والروابط العائلية، واهتمام الفن بالأسرة هو اهتمام بالحياة، ومعنى ذلك أن الفن حياة وأنه يشجع على الحياة وهذه هى رسالة الفن الحقيقية».
هكذا كان رأى العقاد كما نقله أنيس منصور، كان هذا كله أوائل الستينيات من القرن الماضى، وقبل أن يرحل العقاد عن عالمنا فى عام 1964، ولم يعش زمن الستالايت وآلاف المحطات الفضائية التى كان يحلم بها عندما اشترى جهاز التليفزيون!
ومن مشاهدة العقاد للتليفزيون كان له رأى فى أغانى تلك الأيام وتلك حكاية أخرى!






