رشاد كامل
أمنية «روزاليوسف» لزكى طليمات!
ذهبت السيدة «روزاليوسف» إلى الإسكندرية لتكون فى استقبال زوجها الأستاذ «زكى طليمات» العائد من باريس بعد أن أنهى دراسته الفنية فى المسرح!
وفى ذلك اللقاء طلب منها أن تغلق مجلة «روزاليوسف» بالضبة والمفتاح ويسافران إلى فرنسا لاحتراف الفن!
أما سر طلب زكى طليمات بشأن المجلة هو موقفها المعارض للحكومة وقتها! وتظاهرت «روزاليوسف» بالاهتمام قائلة له: برافو يازكى!
وانغمست «روزاليوسف» فى السياسة إلى قمة رأسها سلاحها المقال اللاذع والكاريكاتير الجرىء، ولم تغلق المجلة كما كان يريد «زكى طليمات» الذى بدأ يزاول عمله الجديد فى إدارة الفنون الجميلة وهو آخر ما كان يتوقعه أو يخطر على باله وتصف السيدة «روزاليوسف» تلك الأيام قائلة:
وأشد ما تألمت له - أى لزكى طليمات - إذ جاء بعد ظهر أحد الأيام يحمل تحت إبطه ملفًا يحوى مشروع ميزانية إدارة الفنون الجميلة وقد طلب إليه أن يجرى لها ترجمة باللغة الفرنسية! ونشر المسكين الأوراق أمامه فإذا هى مليئة بالاصطلاحات المالية من درجة «معلى على» و «محتسبًا فى»؛ إلى غير ذلك من العبارات التى تحتاج إلى شرح يقوم به رئيس قلم أو مدير حسابات خلع أضراسه بين الميزانيات وإدارة الحسابات، وأخذ الأستاذ خريج مسرح الأوديون يجرب فنون الإخراج والإضاءة والتمثيل فى استخراج معانى هذه العبارات وما يشاكلها فلم يفتح الله عليه بكثير فعمد إلى شعر رأسه يشده!
وأخيرًا أتينا له بصديق ضليع فى أمور الميزانيات وتفاعيلها ترجم له تلك العبارات العربية بألفاظ عربية برضه! وكان أن قام بالترجمة المطلوبة وهو يصيح من وقت لآخر:
- بقى يا أخويا لسه ما ليش جمعة سايب التياترو فى باريس آجى ألاقى ترجمة ميزانية فى الوزارة، أنا حاتجنن ياخلايق!
ولم يجن ولا حاجة لكنه أمضى ما يقرب من عام يقوم فى الوزارة بأعمال تافهة يكابد أثناءها ألم الحرمان من العمل فيما درسه فى بعثة أوروبا إلى مضاضة الانتظار، انتظار تعديل راتبه ومنحه الدرجة الإدارية التى يستحقها بمقتضى الشهادات التى يحملها!
وطوال تلك الفترة حاولت السيدة «روزاليوسف» إقناع «زكى طليمات» بخوض غمار الكتابة السياسية كما أقنعت الأستاذ «محمد التابعى» من قبل لكنه كان يرفض بإصرار ثم وقعت الصدفة التى لم تخطر على بالها وكان ذلك عقب استقالة وزارة محمد محمود باشا فى سنة 1929 فتقول:
«فى هذه الأثناء ظهر كتاب المستر «بيمان» الإنجليزى وأطلعنى زوجى الأستاذ «زكى طليمات» على بعض أبواب منه فغضبت أن أرى إنجليزيًا يمتدح عهد الخديو عباس» على حساب صاحب الجلالة ملك مصر«المغفور له فؤاد الأول» وما بين عهد «عباس» وبين عهد فؤاد «ما لا يمكن لمبصر أن ينكره أو لكافر أن يجحده وكان أن أخذت أهاجم الإنجليزى المغرض المتطفل مؤلف ذلك الكتاب!
وكان أن نزل «زكى طليمات» إلى ميدان الصحافة السياسة للمرة الأولى وجاء العدد رقم 150 «10 ديسمبر سنة 1929» يحمل مقالا بعنوان «شهر التهريج - حول كتاب بيمان عن الخديو السابق» وقد ذيل بالحرفين «ز.ط»!
فسررت أن زوجي الممثل والمخرج والموظف والأديب ذا الكعب العالى ينزل إلى ميدان الأدب الرشيق ويجول جولة موفقة!
وحاولت بعد ذلك أن أبقيه فى الميدان لكنه أفلت كالحصان الجامح وعاد إلى برجه العالى يغنى شعر رأسه فى مطالعة شكسبير وراسين وأبو زيد والزناتى خليفة ويبنى قصور الأمانى لإيجاد نهضة للمسرح المصرى، ويأتى بما لم يأت به الشيخ «سلامة حجازى وجورج أبيض!».. ولم يستمر صمود «زكى طليمات» طويلا، فقد عاد مرة أخرى فى ظروف مختلفة!
وللحكاية بقية!






